وادي الملوك..وصدى "يا مصري" في طيبة
كان الممر السري الذي يربط "مقصورة الأسرار" بضفة النهر طويلاً، ضيقاً، ورائحته تفوح بتراب السنين. "نور" كانت تمشي في صمت، دموعها تحفر مجاري صغيرة فوق الغبار الذي غطى وجهها، وقلبها معلق بـ "آسر" الذي تركوه يواجه الموت بمفرده. أما "ليلى"، فكانت تحاول جاهدة موازنة مشيتها وهي تتعثر في ذيل ردائها الكتان، وتتمتم بكلمات غير مفهومة.
ليلى (وهي بتنهج): "يا نور، إحنا بقالنا ساعتين بنمشي في جحر فئران! أنا رجلي مبقتش حاسة بيها، وريحة المكان ده كأنها (مخلل) مركون من أيام الأسرة الأولى! وبعدين يا زين، أنت مش ناوي تقولنا السرداب ده آخره فين؟ أنا بدأت أتهيأ لي إننا ماشيين في دايرة!"
زين (وهو بيعدل المشعل ببرود): "لو صمتِّ قليلاً يا ليلى، لربما سمعتِ صوت النهر. نحن نقترب من المخرج، لكن يجب أن نكون حذرين، عيون الوزير في كل مكان."
ساد صمت تقيل لثواني، حست فيه "نور" إن روحها بتتسحب منها من كتر القلق والحزن. فجأة، وبدون مقدمات، ليلى بدأت تدندن بصوت واطي ومهزوز:
"يا مصري.. يا مصري.. ليه مخبي جمالك؟ ده إنت اللي في إيديك تصنع آمالك.."
نور بصت لها باستغراب وسط الظلمة، فكملت ليلى بضحكة مكسورة:
"فاكرة يا نور لما كنا بنغنيها في رحلة المدرسة وإحنا صغيرين؟ كنت بضحك عليكي وأقولك إن صوتك شبه (الغراب) وأنا (فيروز) أكتوبر.. والله وحشتني أكتوبر وزحمتها، وحشتني حتى (صافي) الرخمة، على الأقل مكنتش بتموتنا بسحر أسود، كانت بتموتنا بكلامها بس."
نور ابتسمت غصب عنها، وشاركتها الغناء بصوت دافي وهادي:
"مصر يا أم الدنيا.. يا أغلى من عينيا.."
زين (باستغراب): "ما هذا الذي تنشدانه؟ كلماته غريبة ولحنه فيه شجن لم أسمعه في احتفالات المعبد."
ليلى (بفخر): "دي أغاني من المستقبل يا زين، من زمن مصر فيه بتبقى ست الكل بجد. بس أنت إيه عرفك، أنت آخرك (الربابة) وبوق الحرب!"
فجأة، انفتح الممر على فتحة ضيقة تطل على النيل. كان القمر بدراً يكتمل، وينعكس على صفحة الماء كأنه مرآة من الفضة. كان هناك قارب صغير من البردي ينتظرهم، يحرسه رجل غامض ملثم.
زين: "اركبا بسرعة! يجب أن نصل للضفة الغربية قبل شروق الشمس."
وهما بيركبوا المركب، ليلى رجلها اتكعبلت في طرف المركب وكانت هتقع في المية بوشها، لولا إن زين لحقها في آخر لحظة.
ليلى (بصريخ كوميدي): "يا لهوي! كنت هبقى طعم للتماسيح! والنبي يا زين أمسكني كويس، أنا لسه معملتش الفرح اللي حلمت بيه بـ (فستان تاييد) في فندق خمس نجوم!"
وبدأت ليلى تغني بصوت عالي وهي بتهوي بإيدها كأنها في فرح شعبي:
"يا واد يا تقيل.. يا مجننهم.. يا واد يا تقيل!"
زين (وهو بيجدف بذهول): "هل أصابها مس من الجن؟ لماذا تصرخ عن (الولد الثقيل) الآن؟"
نور (وهي بتضحك بدموع): "سيبها يا زين، ده طريقتها في التعبير عن الرعب. ليلى لما بتخاف بتتحول لمطربة أفراح شعبية."
وصلوا للضفة الغربية، وبدأوا يتسلقوا الجبال الوعرة المؤدية لـ "وادي الملوك". المكان كان مرعب بسكونه، والجبال الصفراء تبدو كأنها حراس عملاقة نائمة.
زين: "هنا تسكن أرواح الملوك العظام. الخنجر الذي تحدث عنه أمنمحات موجود في مقبرة (الملك المنسي)، وهي مقبرة لم تفتح منذ مئات السنين لأنها محمية بلعنة لا يفكها إلا دم (الحارس)."
نور (بقلق): "بس آسر هو الحارس.. وآسر مش معانا."
زين (بنبرة غامضة): "أنتِ الحارسة يا نور، هو الظل وأنتِ الجسد. البردية اللي معاكي هي اللي هتدلنا على المدخل."
فجأة، سمعوا صوت "فحيح" جاي من ورا الصخور. ظهرت تعابين ضخمة لونها ذهبي، عيونها بتلمع زي الجمر. ليلى أول ما شافتهم، وشها اصفرّ وبدأت ترجع لورا وهي بتغني بهستيريا:
"مشيت خلاص.. مشيت خلاص.. وما بيننا مفيش غير الوداع!"
نور: "ليلى! مفيش وقت للدراما دي، ركزي!"
ليلى: "أركز إيه يا نور؟ دي تعابين قد (التوكتوك)! يا رب لو مت دلوقتي، خليني أموت وأنا واكلة (حواوشي) لآخر مرة!"
نور فتحت البردية بسرعة، وبدأت الرموز اللي فيها تنور بضوء أحمر شديد. الجبل بدأ يهتز، وانفتحت فجوة صغيرة وسط الصخور الصماء.
زين: "ادخلا بسرعة! التعابين دي مش هتقدر تقرب من الضوء ده!"
دخلوا جوه المقبرة، وكان الجو جواها "تلاجة" من السقعة، والحيطان كلها مرسوم عليها رحلة الروح في العالم الآخر. ليلى بدأت تلمس الحيطان بانبهار، وفجأة داست على بلاطة متحركة.
ليلى: "يا نهار مش فايت! أنا حاسة إني عملت مصيبة ثانية.."
انقفل الباب اللي دخلوا منه بضجة عظيمة، وطلعت من الأرض تماثيل خشبية (أوشابتي) بس المرة دي كانت بتتحرك وبتمسك سيوف برونزية!
ليلى (وهي بتغني برعب وضيق): "مبلاش نتكلم في الماضي.. الماضي كان كله جراح!"
نور (بصراخ): "ليلى! وفري الأغاني دي لوقت تاني وساعديني نلاقي الخنجر قبل ما التماثيل دي تقطعنا!"