رماد الذاكرة
لم يختفِ "ليان" بل ذاب في الظلال كأنه جزء من هواء الغرفة الثقيل. وقف كارا وحيداً بجانب جثة المرأة، وفي لحظة تجرد فيها من كبريائه كزعيم للشياطين، جثا على ركبتيه. لم تكن هذه المرأة مجرد وسيلة لانتقام ليان، بل كانت ابنة صديقه الراحل.. الحفيدة التي لم يكن كارا يعلم بوجودها، السلالة الوحيدة المتبقية من تلك العائلة التي أبادها في طفولته.
كان القاتل (ليان) قد خطط لكل شيء بدهاء؛ لقد جعل كارا يشهد نهاية "نسله" الذي كان يمكن أن يكون تعويضاً عن خطيئته القديمة.
كارا (يهمس لنفسه وسط السكون): "لقد قتلتهم مرتين.. مرة بجهلي وقوتي، ومرة بضعفي وندمي."
فجأة، بدأت جثث الضحايا في العالم الخارجي، من بشر وشياطين، تتحرك كأنها استجابت لنداء خفي. لم يكن العالم ينهار فحسب، بل كان يثور ضد "كارا". فالقانون الذي وضعه بنفسه (البقاء للأقوى) انقلب ضده؛ لأن أقوى سلاح في هذا العالم لم يعد قبضة الشيطان، بل كان "الحقد" الذي زرعه في قلوب المظلومين.
تعالت الصرخات خارج القصر، وبدأ الحراس الشياطين يتراجعون أمام زحف غريب من الأرواح الهائمة التي يقودها ليان. دخل ليان القاعة مرة أخرى، لكن هذه المرة كان يحمل في يده خنجراً قديماً، هو نفسه الخنجر الذي كان يلعبان به وهما طفلان قبل أن يحل الدمار.
ليان: "القوة التي تفتخر بها يا كارا هي التي ستحرقك الآن. هل تذكر هذا الخنجر؟ لقد وعدنا يوماً أن نحمي به بعضنا البعض.. واليوم سأفي بالوعد، سأحميك من نفسك ومن ندمك الذي ينهشك."نظر كارا إلى الخنجر، ثم إلى وجه صديقه الذي غسله الحقد، وأدرك في تلك اللحظة أن كل عروشه وقواه لم تكن سوى وهم كبير. خفض رأسه وقال بنبرة هادئة ومحطمة:
"يا ليان، لقد أمضيتُ عمري أظن أن القوة هي القدرة على سحق الآخرين، ولم أدرك إلا الآن أن القوة الحقيقية هي القدرة على العيش مع نفسك بعد أن تسحقها الخطيئة.. إن أصعب سجن قد يدخله شيطان ليس الجحيم، بل هو قلبٌ لا يستطيع مسامحة صاحبه."
ساد صمتٌ رهيب بعد هذه الكلمات، كأن الهواء نفسه قد تجمد. لم تكن مجرد مقولة، بل كانت اعترافاً بالهزيمة أمام "الندم". حتى ليان، الذي جاء ليقتل، ارتجفت يده التي تمسك الخنجر؛ فلطالما اعتقد أن كارا بلا قلب، لكنه وجد أمامه كياناً يمزقه قلبه من الداخل أكثر مما قد يفعله أي نصل.