تصدع العرش وظلال الانتقام
لم تكن جدران القصر المنيعة كافية لحجب رائحة الضعف التي بدأت تفوح من قاعة العرش. ففي عالمٍ يُبنى على الخوف، يكفي أن يرتجف الزعيم مرة واحدة لتسنَّ الذئاب أنيابها. كان كارا يجلس على كرسيه الحجري، لكنه لم يكن ينظر إلى القادة الواقفين أمامه، بل كان يحدق في الفراغ، حيث تراءت له خيالات دماء ليان وعائلته.
قطع الصمت الثقيل صوتٌ حاد كشفرة الحلاق، كان "مالكوس"، أحد جنرالات الشياطين الأكثر دموية وطموحاً. وقف مالكوس في منتصف القاعة، ولم يحنِ رأسه كالعادة، بل كانت عيناه تتفحصان ملامح كارا المنكسرة بجرأة لم يعهدها أحد من قبل.
قال مالكوس بنبرة تحمل سخرية مبطنة: "سيدي كارا، الغزاة يطرقون حدودنا الشمالية، وأتباعك ينتظرون إشارة منك لحرق مدنهم.. لكن يبدو أنك غائب عنا، هل ما زلت تطارد الأشباح في ذهنك؟"
لم يرد كارا في البداية. كان يشعر بكلمات ليان الأخيرة كأنها قيد يلتف حول عنقه. "العرش هو سجنك"، هكذا قال له. نهض كارا ببطء، ولم تكن حركته تحمل تلك الرشاقة القاتلة التي عرف بها، بل كانت مثقلة بقرون من الندم.
اقترب كارا من مالكوس، وساد الصمت القاتل في القاعة. توقع الجميع أن يقتلع كارا قلب الجنرال المتطاول في لمح البصر، لكن ما حدث صدم الجميع. وضع كارا يده على كتف مالكوس، وقال بصوت خافت ومرهق: "إذا كنت تشتهي هذا العرش يا مالكوس، فخذه.. لكن اعلم أنك لا ترث ملكاً، بل ترث لعنة لا تموت بموت صاحبها."
انسحب كارا من القاعة تاركاً قادة جيشه في ذهول وتخبط. كانت تلك اللحظة هي الشرارة الأولى لتصدع الإمبراطورية. فبينما بدأ مالكوس يخطط لإعلان سيطرته، كان كارا يسير في ممرات القصر المظلمة متجهاً نحو القبو السري، المكان الذي يحتفظ فيه بآثار الماضي التي حاول دفنها.
هناك، وجد صندوقاً قديماً مغطى بالغبار، بداخله بقايا ثوب ملطخ بالدماء.. ثوب السيدة التي قُتلت بالأمس، والتي قال ليان إنها كانت أمله الأخير. وبينما كان يلمس القماش، شعر بذبذبات غريبة، لم تكن سحراً شيطانياً، بل كانت طاقة غريبة تنبعث من القماش، وكأنها خريطة تقوده إلى مكان ما في "وادي الظلال التائهة".
أدرك كارا أن بقاءه في القصر يعني استسلامه للموت البطيء الذي يتمناه له ليان. قرر أن يغادر عرشه، ليس هرباً، بل بحثاً عن تلك المرأة في عالم الأرواح. فإذا كان باب التوبة قد أُغلق كما ادعى صديقه، فإن كارا سيكسره بقوته، أو يسقط محاولاً.
وفي تلك الليلة، غادر زعيم المخلوقات قصره وحيداً، دون حراس، ودون تاج، تاركاً خلفه عالماً بدأ يشتعل بنيران الحرب الأهلية، متجهاً نحو أرض لم يَعُد منها حيٌّ قط.