الفصل الثامن عشر
في بيت عاصم، رن جرس الباب. ذهب وفتحه ليجد كريم واقفًا أمامه، فدخل وجلس بهدوء على الأريكة، واقترب عاصم منه متسائلًا:
— ها، إيه الأخبار؟
ـــــ اخبار ايه !
عاصم بنبرة متوترة:
— يا ابني، مش قلتلي إنك هتبعت أخت مراتك تشوفلي جميلة؟ عايز أفهم إيه حكاية إنها قفلت حساباتها كلها.
رد كريم ببرود وهو يعدّل جلسته:
— غدير.
أشار له عاصم بنفاد صبر:
— يا سيدي ماشي غدير، المهم وصلت لها؟ عرفت منها حاجة؟
نظر له كريم وقال بجدية:
— بصراحة يا عاصم...
تجمدت ملامح عاصم وسأله بقلق:
— إيه؟ حصل لها حاجة؟
قال كريم دون تردد:
— غدير بتقول إن جميلة حامل.
اندهش عاصم وتسمرت عيناه:
— حامل؟! إزاي؟! هي اتجوزت؟
هز كريم رأسه بتردد:
— مش عارف.
نهض عاصم واقفًا، يده على رأسه وهو يتمتم:
— في حاجة غلط! مش ممكن تكون نسيتني واتجوزت كده فجأة! ولا يكون أهلها رجعوها لأسامة؟
قال كريم بلامبالاة:
— ممكن.
صاح عاصم بانفعال:
— ممكن إيه بس؟! أسامة كان بيتعالج، ومستحيل يخلف! لا لا، مش هقعد أخمن... أنا نازل مصر حالًا.
حاول كريم تهدئته:
— استنى بس نفهم.
رد عاصم بحسم:
— أنا مش هستنى يا كريم.
واتجه مسرعاً نحو حجرته ليحضر شنطته.
...
في مدخل عمارة جميلة، دخل عاصم خلفه كريم. اتجه نحوهما عم محروس، حارس العمارة، وقال:
— الحمد لله على السلامة يا دكتور.
بادره عاصم بالسؤال:
— جميلة فوق؟
هز محروس رأسه نافيًا:
— لا، نزلت من شوية.
احتدت نبرة عاصم:
— راحت فين؟
أجابه محروس ببساطة:
— معرفش، هو أنا ينفع أسألها؟
حاول كريم تهدئة الجو:
— معلش يا عم محروس. يلا يا عاصم، اطلع شقتك واهدى، وبعدين شوفها.
رمقه عاصم بنظرة حادة وقال:
— أنت اللي صممت تيجي معايا، يبقى ما تعلقش على تصرفاتي.
لم تكد تمر لحظة حتى أشار عم محروس:
— اهي، ست جميلة جاية.
التفت عاصم، فرأى جميلة مقبلة ترتدي النقاب، وبطنها المنتفخة تدل بوضوح على الحمل، وبجوارها هند.
قالت هند وهي تبتسم:
— الحمد لله على السلامة يا دكتور.
وجه عاصم نظره لجميلة، وقال بتهكم:
— مبروك! بس مش عارف أبارك على الحمل، ولا النقاب، ولا الجواز.
نظرت له جميلة بتعجب:
— جواز إيه؟
قال عاصم بحدة:
— يعني خلاص، طلقنا واحد، نجرب اللي بعده على طول؟! مفيش حتى شهور عدة!
قالت جميلة وهي تسيطر على انفعالها:
— انت بتقول إيه يا عاصم؟!
تركتهم وركبت الاسانسير بسرعة، بينما اقتربت هند من عاصم وقالت بهدوء:
— إيه اللي بتقوله ده؟ جميلة حامل منك.
تراجع عاصم خطوة للخلف، مصدومًا:
— إنتي بتقولي إيه؟!
قالت هند:
— أيوه، وهي كانت رافضة حد يبلغك، بس دلوقتي لازم تعرف.
ركض عاصم بجنون نحو السلم وصعده، يتبعه كريم وهند. وصل إلى شقة جميلة وبدأ يطرق الباب بجنون، فتحت له الأم، فاحتضنته قائلة:
— الحمد لله على سلامتك، يا حبيبي.
دخل عاصم كالمجنون:
— جميلة فين؟! يا جميلة!!
خرجت جميلة من غرفتها، بنبرة حادة:
— كفاية فضايح بقى.
خرج أحمد من الغرفة الأخرى:
— عاصم!
صرخ عاصم:
— الفضايح أنتم اللي بتعملوها! إزاي تبقى حامل ومش تقوليلي؟!
قالت جميلة ببرود:
— وانت مالك؟ فارق معاك في إيه؟
ضحك عاصم بسخرية:
— لا خالص... مجرد طفل هيتسجل باسمي مش أكتر! هي دي عقلانية؟ ده اسمه هبل!
صرخت جميلة:
— أكيد كنت هقولك! بس امتى؟ لما تسأل!
نظر عاصم إلى كريم وقال:
— انزل هاتلي مؤذن، أنا هردها.
صرخت جميلة بانفعال:
— ترد مين؟! لا طبعًا!
اقترب منها عاصم وقال بنبرة هادئة لكن حاسمة:
— لغاية ما تولدي... وبعد كده نشوف شكل علاقتنا هيبقى إزاي.
---
كانت جميلة جالسة على السرير في بيت عاصم، تمسك بهاتفها وتتصل بهند:
— "أيوه يا هند... إنتي فوق ولا مشيتي؟"
ردت هند من المطبخ، صوت المياه بالخلفية:
— "في المطبخ، بغسل مواعين العشاء. مامتك مسكت في كريم وقالت له لازم يتعشى... مالك؟ شغالة بالك بينا ليه؟"
قالت جميلة بنبرة ناعسة:
— "كنت عاوزك تنزليلي ترنج من بتوع."
ردت هند بدهشة:
— " دولابك تحت مليان! وبعدين انت ناسية إنك مع جوزك؟"
تنهدت جميلة وقالت:
— "ونبي اسكتي... من أول ما دخلنا، فتح باب الشقة ودخل الأوضة التانية وقفل على نفسه."
قالت هند بتفهم:
— "زعلان يا جميلة... معاه حق. وانا قلتلك إن موقفك يزعل."
أجابت جميلة بنبرة غاضبة:
— "هو سأل؟! وأنا ما قلتش مثلاً؟"
قالت هند بتعجب:
— "يسأل يقولك إيه؟ يقولك أنا طلقتك بس مفيش حاجة جايه في السكة مثلا؟!"
قالت جميلة بصوت منخفض لكنه غاضب:
— "يبين اهتمام، مش يحسسني إنه كان مستني يخلص مني ومن عيالي."
هند بتنهيدة:
— "بذمتك، مصدقة الكلام اللي بتقولي ده؟"
قالت جميلة بحدة:
— "خلاص بقى يا هند، نزليلي الترنج و خلصيني."
...
في الصباح، خرجت جميلة من حجرتها، فوجدت الإفطار مُعدًا على السفرة. اتجهت نحو المطبخ فلم تجد أحدًا، فذهبت إلى غرفة الأطفال و طرقت الباب. لم يرد أحد، ففتحت ودخلت، لكنها لم تجد عاصم.
تقدمت ترتب السرير، لكن صوت عاصم أوقفها من خلفها:
— "سيبي، أنا كنت بجيب حاجة من تحت، وقلت وأنا طالع أروّق."
هزت رأسها، ثم خرجت وأغلقت الباب بهدوء. جلس عاصم على السرير، وضع يده على رأسه . وبعد لحظات، سمع طرق خفيف على الباب.
— "ادخل."
فتحت جميلة الباب ووقفت عند العتبة، تنظر إليه بنظرات مختلطة:
— "ممكن أطلع عند ماما؟"
وقف واقترب منها وقال بنبرة هادئة:
— "على فكرة، انتى مش مخطوفة. اعملي اللي يريحك، من غير استئذان... ولو بتستريحي فوق، خليك."
أشارت بيدها ناحية صدره وقالت:
— "راحتي هنا."
نظر لها بدهشة:
— "يعني إيه؟"
ابتسمت وقالت:
— "يعني راحتي جنبك، لحد ما أولد، وبعد كده نفكر شكل علاقتنا هيبقى إزاي... مش ده كان كلامك؟"
تنهد وقال:
— "أنا زعلان منك يا جميلة، بجد."
قالت بهدوء:
— "وأنا زعلانة أكتر. من ساعة ما بعدت، وأنت بعدت بجد... فكرت تسأل؟ تعرف أنا عاملة إيه؟"
قال:
— "كنت بتابع أخبارك كالعادة من النت... وعشان كده قفلت حساباتك صح."
نظرت له باندهاش:
— "أنا؟ أنا مقفله حاجة. و ماكنتش أعرف إنك تابعني أصلاً. وبعدين أنا ما بنزل حاجة شخصية من بعد الطلاق، بس بوستات عادية."
سألها بتعجب:
— "أمال مين اللي قفل الحسابات؟"
ردت ببساطة:
— "معرفش. ولولا كده، ما كنتش نزلت أصلاً."
قال بتنهيدة عميقة:
— "أنا كنت شايف إن البعد عنك راحة... طلع الحالتين عذاب."
رن جرس الباب، فقطع عليهما لحظة الصدق، فقال:
— "افتح و أرجعلك."
...
اتجه عاصم إلى الباب وفتحه، فوجد كريم وأحمد.
— "اهلا... اتفضلوا."
دخل الاثنان، و جلسا على الكرسي الكبير في الانتريه، بينما جلس عاصم بجانب كريم.
سأله بابتسامة ساخرة:
— "إيه؟ بقيت أصحاب؟"
رد كريم انزعاج:
— "إيه يا ابني؟ جايين نطمئن عليك بعد القفش بتاع امبارح."
ضحك عاصم وقال:
— "آه، القفشة... طب قولي بقى يا كريم، مين صاحب فكرة قفل أكونت جميلة؟"
نظر كريم لأحمد، وقال أحمد باستغراب:
— "أكونت إيه؟"
عاصم بضيق:
— "ما تستعبطوش... مش هتعملوا عليا فيلم عربي."
رد كريم وهو يتجاهل السؤال:
— "المهم دلوقتي، الأمور اتصلحت؟"
قال عاصم:
— "وانت مالك؟"
ضحك أحمد:
— "واضح إنه فك القفش... مادام عرف موضوع الأكونت."
قال عاصم:
— "موضوع الأكونت اللي هو إيه بقى؟"
كريم محاولا التهرب:
— "تركز في حاجات غريبة يا عاصم. ركز مع مراتك والبيت، انك تبقى أبو العيال."
أضاف أحمد ضاحكا:
— "بالظبط... عقبالي لما أرجع لهند. ما تخليك جدع يا كريم وساعدني بخطة."
نظر عاصم لكريم وقال:
— "آهو بقولك اعملي خطة، يبقى أنت اللي فكرت واتفقت عليا."
صرخ كريم:
— "يا عم توقعني في مشاكل! يخرس بيت لسانك... قوم نمشي يا أحمد."
أحمد متوسلًا:
— "يعني تساعدني؟"
رد عاصم ساخراً:
— "إنت محتاج معجزة عشان هند ترجع لك!"
قال كريم متحديا:
— "طب بالعند فيك، هرجعهم لبعض."
صرخ أحمد بحماس:
— "حبيبي يا كوكو!"
خرجوا من الشقة سويًا، واتجهوا إلى الكافتيريا، تتعالى ضحكاتهم... بينما خلفهم، تركوا بيتًا بدأ يُرمم من الداخل.