ظلام لايشبهني - أنا تعبت ... - بقلم تسنيم ال حمدان - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: ظلام لايشبهني
المؤلف / الكاتب: تسنيم ال حمدان
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: أنا تعبت ...

أنا تعبت ...

لم أكن أتحدث… ولم تكن هناك كلمات يمكن أن تُقال. جلست على الأرض، ظهري إلى الحائط، وعيناي فارغتان… كأن كل شيء داخلي… انتهى. شعرت بها تقترب. بهدوء. دون أن تتكلم. جلست بجانبي… قريبة… لكن ليس كثيرًا. كأنها تخشى أن تلمس ألمي. ــ آرثر… همست باسمي. لكنني لم أجب. لم أستطع. ــ أعلم… أنك تحاول أن تبدو قويًا… توقفت لحظة، ثم أكملت بصوت أخف: ــ لكن ليس عليك أن تكون كذلك دائمًا. أغمضت عيني… وكأن كلماتها كسرت شيئًا داخلي. ــ أنا بخير… قلت ذلك، لكن صوتي خانني. سكتت للحظة… ثم اقتربت أكثر. هذه المرة… لم تتردد. وضعت يدها على يدي. كانت دافئة… بشكل مؤلم. ــ لا… أنت لست بخير. قالتها بهدوء… لكن بثقة. رفعت رأسي ببطء، ونظرت إليها… كانت تنظر إليّ… وكأنها ترى كل شيء. كل ما أحاول إخفاءه. ــ فقدتِ شخصًا من قبل…؟ سألتها بصوت منخفض. صمتت. لثوانٍ. ثم قالت: ــ نعم… أكثر مما تتخيل. لا أعلم لماذا… لكنني صدقتها. شعرت بشيء ينهار داخلي… شيء كنت أقاومه منذ تلك اللحظة. ــ أنا تعبت… همست بها. لأول مرة… دون مقاومة. لم تقل شيئًا. فقط… اقتربت أكثر… واحتضنتني. تجمّدت في البداية. لكنني… لم أبتعد. بل دفنت وجهي في كتفها… وكأنني وجدت أخيرًا مكانًا أختبئ فيه. يدها كانت على رأسي… تمسح شعري بهدوء. ــ أنا هنا… همست. ــ لن أتركك. أغمضت عيني… ولأول مرة منذ زمن… شعرت بشيء يشبه الأمان. لكن… ما لم أكن أعلمه… أن أكثر مكان شعرت فيه بالأمان… كان… أخطر مكان على قلبي. كنت جالسًا في بيتي، أراجع ملفات القضية… كل شيء يبدو هادئًا حولي. فجأة، رن هاتفي. رقم مجهول. ترددت للحظة… ثم أجبت: ــ من؟ صوتها جاء سريعًا، منخفض: ــ آرثر… المكتب تحت هجوم. عليك الوصول فورًا. تجمّدت. ــ ماذا؟! ــ أسرع… اذهب الآن، أنتَ الهدف التالي! كان الصوت واضحًا… وكان صادقًا. ركضت فورًا نحو غرفة التحقيقات، قلبي ينبض بسرعة. وصلت هناك لأجد سجى تنتظرني عند الباب، عينيها مليئتان بالخوف والقلق. ــ آرثر! هل أنت بخير؟ أمسكت بذراعي سريعًا، كأنها تحاول التأكد أنني لم أصب بأذى. ــ ماذا حدث؟ ــ أحد أفراد العصابة حاول تفجير الغرفة، لكنني استطعت تحذيرك قبل اللحظة الأخيرة. توقفت أنفاسي… كلماتها كانت صادقة، وفي عينيها كان شيء لم أره من قبل: الصدق والخطر الحقيقي معًا. نظرت إليها… شعرت بشيء غريب يتسلل إليّ: ــ لماذا تفعلين هذا من أجلي؟ ابتسمت ابتسامة صغيرة، لكنها كانت كافية. ــ لأنك الشخص الوحيد الذي لم يرني كوحشًا. وفي تلك اللحظة… لم أشك بها. لم أتردد. سجى… كانت على جانبي. اتصل بي والدي لأول مرة منذ اشهر كان غريباً لقد اخبرني انه يريد أن أذهب للمنزل  الليلة جلست في الصالون، والجو مشحون… أمي وأبي واقفان أمامي، وجوههما جادة… لم أرى هذا التعبير منهما من قبل. ــ آرثر… علينا أن نتحدث، قال والدي بصوت منخفض. تجمّدت… شعرت بقلب ينبض بسرعة. ــ ماذا هناك؟ سألت، محاولًا أن أبدو هادئًا… لكن كل الخوف كان يتسرب مني. والدتي ابتسمت ابتسامة حزينة: ــ لم نكن صادقين معك طوال هذه السنوات… ــ ماذا؟! والدي أخذ نفسًا عميقًا: ــ آرثر… أنت لست ابننا الحقيقي. توقفت أنفاسي. ــ ماذا تقول؟ صرخت، وكأن الكلمات لم تدخل عقلي. والدتي مدّت يدها ببطء، لكن لم أسمح لها بالاقتراب: ــ نحن… لم نحبك كما نحب دانيال… ولم نكن نريد أن نؤذيك… لكن الحقيقة أن قلبنا لم يكن لك قط. انكسر شيء داخلي… شعور بالخيانة، بالغضب، بالحزن. كل لحظة شعرت فيها بأنني غير مهم… كل مقارنة… كل كراهية بداخلهما… كانت حقيقية. ــ لماذا؟ صرخت، والدموع بدأت تنساب… ــ لماذا لم تقولوا لي منذ البداية؟ والدي هز رأسه، بصوت يملؤه الندم: ــ لم نكن نستطيع… كنا خائفين… والدتي همست: ــ كنا نحبك… بطريقتنا… لكنك لم تكن ابننا. جلست على الأرض، أغمضت عينيّ… كل ما أعرفه عن حياتي، عن عائلتي، عن حبي… انهار أمامي. ــ إذًا… كل شيء كان مجرد تمثيل، قلت لنفسي بصوت خافت… ــ كل شيء كان كذبًا. ولأول مرة… شعرت بالوحدة المطلقة. الظلام الذي طالما كان بداخلي… أصبح أعمق من أي وقت مضى. ذهبت لسجى كي تخفف عني كعادتها الليل كان مظلمًا… والمدينة مبتلة بالمطر. كنت أبحث عن سجى… كنت أشعر بشيء ما خاطئ… شعور بالريبة لا أستطيع تجاهله. دخلت المخزن المهجور، المكان الذي تحدثت عنه سابقًا في التحقيقات. كل شيء صامت… حتى صوت خطواتي بدا أعلى من الطبيعي. ثم رأيتها. كانت واقفة هناك، في الظل، بعيدًا عن الضوء المبهر، وجهها لا يظهر… لكنها كانت مختلفة. الجو كان مشحونًا… شعرت بشيء غريب يضغط على قلبي. ــ سجى؟ همست بصوت متردد. لا جواب. اقتربت خطوة… ثم خطوة أخرى… حتى رأيتها تحرك شيئًا على الطاولة. ملف كبير… صور… تقارير عن العصابة… كل شيء يشير إلى شيء واحد واضح: سجى هي زعيمة العصابة. تجمّد الدم في عروقي. قلب لم يهدأ منذ سنوات… بدأ يتحطم مرة أخرى. ــ لا… هذا… لا يمكن… صرخت بداخلي. ثم التفتت ببطء، ووقفت أمامي… وجهها لا يزال مخفيًا، لكن عينيها كانت تحمل كل الحقيقة. ابتسمت… ببطء، بثقة قاتلة. ــ كنت أعلم أنك ستكتشف، همست، وكأنها تستمتع بالألم الذي تشعر به. ــ لماذا…؟ تساءلت، وصوتي يهتز. ــ كل ما فعلته… كل كلمة… كل لحظة… كانت خطواتها تقترب، وأنا أكاد أختنق: ــ كل شيء كان كذبًا، أليس كذلك؟ ابتسمت ابتسامة هادئة: ــ نعم… كل شيء كان كذبًا. ــ حتى تلك الليلة… حين اعتقدت أنني أخاف عليك… ــ كنت أراقبك فقط… لأعرف مدى ضعفك. سقط كل شيء من داخلي. الثقة، الحب، الأمان… كل شيء انهار في لحظة. وقفت أمامي… تقترب أكثر، وأنا عاجز عن التحرك، عاجز عن الكلام. ــ لقد خسرت كل شيء… همست لنفسي، وكأنني أواجه موت قلبي. في تلك اللحظة، أدركت الحقيقة الكاملة: لم أعد أمتلك شيء أؤمن به. أصبح كل ما وثقت به، كل من أحببته… مجرد وهم. الظلام الذي كان بداخلي منذ سنوات… أصبح الآن يلتهم كل شيء حولي. الخذلان… أقسى من أي جرح… وأعمق من أي ألم. وقفت هناك… في المخزن المظلم، المطر يتسلل من النوافذ المكسورة، وكل شيء بدا كأنه يتوقف حولي. قلبي ينبض بسرعة لا يمكن السيطرة عليها… كل شيء بدا وكأن الأرض اختفت من تحت قدمي. ــ لا… لا يمكن… هذه ليست سجى… تمتمت لنفسي بصوت خافت، لكن حتى أنا لم أصدق كلماتي. دموعي بدأت تتساقط بلا توقف… لكنها لم تكن دموع حزن فقط… كانت دموع الغضب، الخيانة، الألم، والخذلان كله مجتمعًا في لحظة واحدة. رفعت يدي لرأسها، أحاول أن أفهم… لكن لا شيء يفسرها. كل لحظة وثقت بها… كل ابتسامة صدقتها… كل كلمة قالها قلبي… كانت مجرد خداع. ــ لماذا…؟! صرخت، الصوت يكاد يخرق الصمت. ــ لماذا كل شيء؟! لم يأتِ جواب… فقط ظلها هناك، ثابت، بلا حراك… بلا وجه واضح… وكأنها تقول لي: “ها قد انكشف كل شيء.” سقطت على الأرض، أجلس متكئًا على الحائط. كل القوة التي جمعتها طوال سنوات عملي، كل إحساسي بالسيطرة، كل ثقة كنت أملكها… تبخرت. ثم جاء الغضب… الغضب الذي لم أشعر به منذ سنوات. غضب حقيقي، مظلم… جعل كل دموع الحزن تتحول إلى نار داخلية. ــ سأجعلك تدفعين ثمن كل شيء… همست بصوت منخفض، بارد، مليء بالتهديد. ــ حتى لو كانت الحرب ضدك… أو ضد كل من خانني… لن أتوقف. نظرت نحو الظل الذي يختبئ فيه كل شيء، وكل خطوة مرت بي أشعر بالخذلان يتغلغل أكثر وأكثر. الظلام لم يعد مجرد شعور… بل أصبح جزءًا مني… مهمته الآن أن يخطط، أن يصبر… وأن يثور. في تلك اللحظة، أدركت شيئًا واحدًا: لم يعد هناك عاطفة يمكن أن تثقل قلبي… كل شيء انتهى… إلا الرغبة في السيطرة، الانتقام، والبقاء على قيد الحياة.