ظلام لايشبهني - التحدي - بقلم تسنيم ال حمدان - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: ظلام لايشبهني
المؤلف / الكاتب: تسنيم ال حمدان
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: التحدي

التحدي

لم أنم تلك الليلة. كان وجهه… ذلك القناع… يطاردني في كل مرة أغمض فيها عيني. من يكون؟ وكيف يعرف اسمي؟ في صباح اليوم التالي، توجهت إلى مركز الشرطة مبكرًا. لكن قبل أن أصل إلى مكتبي، استوقفني صوت أحد الضباط: ــ آرثر! لدينا مشكلة. نظرت إليه بقلق: ــ ماذا حدث؟ ــ الفتاة… سجى. تجمّدت. ــ ماذا عنها؟ ــ اختفت. اندفعت نحو غرفة التحقيق، الباب كان مفتوحًا… والكرسي فارغ. لا أثر لها. لكن… كان هناك شيء واحد فقط على الطاولة. ورقة. اقتربت ببطء، وقلبي ينبض بقوة، ثم التقطتها. كُتب عليها بخط واضح: "قلت لك أن تبتعد." قبضت يدي بقوة. ــ اللعنة… خرجت مسرعًا، نظرت حولي… كل شيء كان طبيعيًا، لكنني كنت أعلم… هو هنا. يراقبني. يلعب معي. في تلك اللحظة، رنّ هاتفي مرة أخرى. نفس الرقم المجهول. أجبت بسرعة: ــ ماذا تريد؟! ضحك… نفس الصوت البارد: ــ بدأت اللعبة يا آرثر. ــ أين هي؟! ــ إن كنت تريد إنقاذها… تعال وحدك. صمت لثوانٍ، ثم أضاف: ــ لكن تذكّر… هذه المرة، لن يكون لديك خيار. انقطع الاتصال. نظرت إلى الهاتف… ثم إلى الفراغ أمامي. هذه لم تعد مجرد قضية. هذا… تحدي. ابتسمت ببرود، وقلت بصوت منخفض: ــ أخطأت… عندما اخترتني. المطر كان يهطل بغزارة… والبرد يلسع وجهي، لكنني لم أشعر بشيء. كل ما كان في ذهني… هو هي. سجى. دفعت باب المستودع بقوة، وصوت صريره اخترق الصمت. ــ سجى؟! لم يجبني أحد… لكن بعد لحظات، جاء صوت ضعيف، مكسور: ــ آرثر…؟ تجمّد قلبي. اتبعت الصوت بسرعة، حتى وجدتها في زاوية مظلمة… مقيّدة، جسدها مرهق، وعيناها مليئتان بالخوف. ــ أنا هنا… لا تخافي. انحنيت بسرعة، أفك القيود عن يديها المرتجفتين. كانت تنظر إليّ وكأنها تحاول التأكد أنني حقيقي. ــ كنت… أعلم أنك ستأتي… قالتها بصوت بالكاد يُسمع. حررتها بالكامل، لكنها لم تستطع الوقوف. كادت تسقط— أمسكتها بسرعة، وسحبتها نحوي. ــ تمسّكي بي… لن أتركك. وضعت يدها حولي، وكأنها تتشبث بالحياة نفسها. بدأنا نتحرك نحو الخارج… خطوة… ثم أخرى… لكن أصواتًا في الخلف جعلتني أُسرع. ــ اركضي! خرجنا أخيرًا من الباب، والمطر يغسل كل شيء. توقفت، أنفاسي متقطعة، ونظرت إليها. كانت ترتجف… خلعت معطفي، ووضعته على كتفيها. رفعت عينيها إليّ… نظرة لم أرَ مثلها من قبل. مزيج من خوف… وراحة… وشيء أعمق. ــ لماذا… عدت من أجلي؟ صمتُ للحظة… ثم قلت بصوت هادئ: ــ لأنني… لم أستطع تركك. اقتربت مني فجأة… واحتضنتني بقوة. تجمّدت للحظة… لكنني، دون أن أشعر، ضممتها إليّ أكثر. في تلك اللحظة… لم يكن هناك خطر… ولا ماضٍ… فقط… أنا وهي. في تلك اللحظة… لم يكن هناك شيء… سوى أنا وهي. لكن— تصفيق بطيء… بارد… شقّ الصمت. تجمّدت. ابتعدت سجى عني بسرعة، ونظرت خلفي بقلق. استدرت ببطء… وكان هناك. واقف تحت ظل الباب، المطر خلفه يرسم ظله ككابوس. الرجل ذو القناع. ــ مؤثر جدًا… قالها بصوت هادئ، لكنّه يحمل تهديدًا واضحًا. ــ لم أتوقع أن تنجح بهذه السهولة يا آرثر. شددت قبضتي، ووقفت أمام سجى دون تفكير. ــ ابتعد عنها. ضحك بخفوت… ــ ما زلت تظن أنك تنقذها؟ خطوة واحدة للأمام… ثم أخرى. ــ أنت لا تفهم شيئًا. رفعت سلاحي نحوه. ــ انتهى لعبك. صمت لثوانٍ… ثم قال: ــ لا… أنت من بدأ اللعبة. في لحظة— أشار بيده. وفجأة، خرج رجال من الظلام… يحيطون بنا من كل الجهات. شعرت بيد سجى تمسك بذراعي بقوة. كانت خائفة… أو هكذا بدت. ــ ماذا ستفعل الآن… أيها المحقق؟ قالها وهو يميل رأسه قليلًا. ــ لن تخرج من هنا هذه المرة. نظرت حولي بسرعة… عددهم كبير. لكن… لن أستسلم. همست لسجى: ــ ابقي خلفي. ثم شددت سلاحي… وقلت بثبات: ــ جرّبني. ثانية واحدة من الصمت… ثم— انفجرت الفوضى. ثانية واحدة من الصمت… ثم— انفجرت الفوضى. انطلقت الطلقات في كل اتجاه. أمسكت يد سجى بسرعة، وسحبتها خلف صندوق حديدي. ــ ابقي منخفضة! كانت أنفاسها متسارعة… لكن لم تقل شيئًا. نظرت حولي بسرعة… عددهم كبير… والمخرج محاصر. لكن— لا بد من ثغرة. لمحت شيئًا على الجدار… صندوق كهرباء قديم. ابتسمت بخفة. ــ تمسّكي بي. مددت يدي بسرعة، وأطلقت طلقة نحو الصندوق— شرارة قوية انفجرت… ثم— انطفأت الأنوار. غرق المكان في الظلام. صراخ… ارتباك… خطوات عشوائية. هذه فرصتنا. ــ الآن! سحبت سجى، وركضنا بين الظلال. كنت أحفظ المكان تقريبًا… مدخل واحد، ومخرج خلفي ضيق. أحدهم اقترب— ضربته بمرفقي بقوة، فسقط. آخر أمسك بذراعي— سددت له لكمة، وحررت نفسي. كنا قريبين… قريبين جدًا. لكن— صوت إطلاق نار اخترق الظلام. توقفت فجأة. سجى… تعثرت. كادت تسقط— أمسكتها قبل أن تلمس الأرض. ــ لا… ليس الآن. رفعتها وساعدتها على الوقوف. ظهر ضوء خافت من الخلف… إنهم يقتربون. ركضنا بكل ما لدينا… حتى وصلنا إلى الباب الخلفي. دفعتُه بقوة— وانفتح. الهواء البارد ضرب وجهي… والمطر كان ما يزال يهطل. خرجنا. ركضنا حتى ابتعدنا عن المكان، حتى تأكدت أنهم لن يلحقوا بنا. توقفت أخيرًا… أنفاسي متقطعة. نظرت إلى سجى… كانت تلهث، لكنها… ابتسمت. ــ نجونا… همست بها. نظرت إليها لثوانٍ… ثم قلت بهدوء: ــ ليس بعد. في الجهة الأخرى… داخل الظلام… كان الرجل ذو القناع يقف بهدوء. ينظر إلى الباب المفتوح. ثم… ابتسم. ــ ذكي… لكنه لم يرَ كل شيء. المطر ما زال يهطل… لكن هذه المرة، لم أشعر بالبرد. كنا نقف تحت ضوء خافت في شارعٍ شبه فارغ، نحاول استعادة أنفاسنا بعد الهروب. كانت سجى أمامي… تلهث، خصلات شعرها المبللة تلتصق بوجهها، وعيناها تبحثان عن شيء… عن الأمان. ــ أنتِ بخير؟ سألتها بهدوء. هزّت رأسها ببطء، ثم نظرت إليّ… نظرة طويلة. مختلفة. ــ كنت… خائفة. قالتها بصوت خافت. تقدّمت خطوة دون وعي. ــ انتهى… أنا هنا. صمتت لثوانٍ… ثم اقتربت أكثر. قريبة جدًا. لدرجة أنني استطعت سماع أنفاسها. ــ لماذا تخاطر من أجلي… كل هذا؟ سؤالها أربكني. فتحت فمي لأجيب… لكن الكلمات لم تخرج. لأنني… لم أكن أملك جوابًا واضحًا. نظرت إليها. إلى عينيها… ذلك الحزن الذي يشبهني. وذلك الهدوء الذي يجعلني… أضعف. همست دون أن أشعر: ــ لا أعرف… لكنني أعلم أنني لا أستطيع الابتعاد. توقفت عن التنفس للحظة. ماذا قلت الآن؟ نظرت إليّ بدهشة خفيفة… ثم ابتسمت. ابتسامة صغيرة… لكنها حقيقية. وفي تلك اللحظة… شعرت بشيء داخلي يتغيّر. شيء لم أعرفه من قبل. لم يكن خوفًا… ولا قلقًا… بل كان أقرب إلى— الراحة. أغمضت عيني للحظة، ثم ابتعدت خطوة. ــ يجب أن نذهب. قلت ذلك وكأنني أهرب… ليس منها… بل من نفسي. لكنني كنت أعلم… وأنا أبتعد… أنني تأخرت. كثيرًا. لأنني… وقعت.