القصر الذي لا يتذكر صاحبه
حين عاد الوعي إلى نوكس، لم يكن هناك دليل على أن شيئًا قد حدث.
لا فراغ.
لا كرسي.
ولا حتى أثر لذلك الصمت الذي لا يشبه أي صمت عرفه من قبل.
كان في مكانه.
داخل قصره.
لكن القصر… لم يشعر به.
ليس لأنه تغير، بل لأن شيئًا في إدراكه بدأ يتعامل معه كأنه بعيد، كأنه صورة لا يمكن لمسها.
جلس على حافة السرير.
لم يتحرك الحرس خارج الغرفة، ولم يتغير شيء في هذا المكان الذي اعتاد أن يكون مركز العالم بالنسبة له.
لكن الغريب…
أنه لم يعد متأكدًا إن كان هذا “مركز العالم” فعلًا.
رفع يده أمامه.
نظر إليها طويلاً.
كأنها تخص شخصًا آخر في وقت آخر.ثم قال بصوت منخفض جدًا:
"هل عدت… أم أنني لم أخرج أصلًا؟"
الصوت خرج بلا إجابة.
وفي لحظة قصيرة جدًا، شعر بشيء يشبه الارتباك… لكنه لم يكن ارتباكًا بشريًا.
كان أقرب إلى أن الواقع نفسه لم يعد يشرح نفسه له كما كان يفعل سابقًا.
نهض ببطء.
اتجه نحو النافذة.
فتحها.
المدينة تحت القصر كانت كما هي.
الأضواء.
الحركة.
الحياة التي لم تتوقف يومًا.
لكن نوكس لم يعد يرى هذه الأشياء كما يراها الناس.
كان يرى بينها “فجوات”.
فراغات صغيرة جدًا، لا يلاحظها أحد.لكنها موجودة.
كأن العالم لم يُبنَ بشكل كامل… أو كأنه بدأ يفقد أجزاءه بصمت.
أغلق النافذة ببطء.
وفي نفس اللحظة…
سمع الصوت.
ليس من خلفه.
ولا من الخارج.
بل من مكان لا يمكن تحديده داخل وعيه نفسه.
"أنت تتغير بسرعة غير متوقعة."
توقف نوكس.
لم يلتفت فورًا.
لأنه أدرك شيئًا مهمًا:
الصوت لا يأتيه الآن كحدث.
بل كأنه كان موجودًا طوال الوقت… وهو فقط بدأ يلاحظه.
قال ببطء:"من أنت؟"
لم يأتِ رد مباشر.
بل إحساس خفيف… كأن أحدهم يبتسم في مكان لا يمكن رؤيته.
ثم جاء الرد:
"هذا السؤال ليس في وقته بعد."
صمت.
نوكس شد قبضته.
ثم قال:
"إذن متى يكون وقته؟"
هذه المرة، جاء الرد بعد لحظة أطول من السابق.
كأن شيئًا يفكر… أو يتذكر.
"حين تتوقف عن الاعتقاد أنك واحد."
لم يفهم.
لكن الغريب…
أنه لم يشعر أن الجملة تحتاج فهمًا كاملًابل شعورًا فقط.لاحقًا في القصر…
في تلك الليلة، لم ينم نوكس.
ليس لأن شيئًا يزعجه.
بل لأن النوم نفسه بدا وكأنه فكرة بعيدة، لا تنتمي إليه الآن.
كلما أغمض عينيه، لم يرَ حلمًا واضحًا.
بل فراغًا.
وأحيانًا…
شيئًا يشبه الكرسي.
لكن ليس كما رآه في الجبل.
بل كأنه “ظل فكرة” داخل ذاكرته.
في الصباح، استدعى أحد خدمه.ثم قال بتردد خفيف:
"سيدي… هل كل شيء على ما يرام؟"
نوكس نظر إليه.
للحظة واحدة فقط…
لم يفهم السؤال.
ثم أجاب بهدوء:
"لماذا تسأل؟"
الخادم تردد أكثر.
ثم قال:
"لقد كنت… مختلفًا منذ يومين."
نوكس صمت.
لأنه لم يتذكر “اليومين” كما قيل له.
بل تذكر فراغًا طويلًا لا شكل له.وفي تلك اللحظة…
بدأ أول شيء حقيقي يتشكل داخل نوكس.
ليس قوة.
ولا غضب.
بل سؤال صغير جدًا…
لكنه أخطر من أي حرب خاضها:
"كم نسخة مني توجد… دون أن أعرف؟"