الفصل10
••𝓣𝓱𝓮 𝔀𝓻𝓲𝓽𝓮𝓻 𝓐𝓻𝓲𝓭𝓳••
꧁꧂
꧁꧂
꧁꧂
قد يرهق المرء نفسه بالتفكير، ويدور في متاهات الأسئلة التي لا تنتهي: كيف تمضي بشريةٌ حياتها الفانية، المثقلة بالتعاسة، في كراهية أولئك الأشقاء الثلاثة؟ أيُعقل أن تعاقبهم على أمر ربما لم يكن لهم فيه يد، بل كان قد كُتب لها منذ البدء؟ أم أن للأقدار خيوطًا خفية لا تُرى، تنسج الحكايات بعيدًا عن أعين أصحابها؟
أدار محرك سيارته، وبدا لوهلة أنه سيتبعها، لكن شيئًا ما في داخله دفعه إلى الانحراف، فابتعد عن ذلك المكان. كان عليه أن يتمهّل، أن يزن خطواته قبل أن يحاول ترويض تلك الجامحة التي لا تُروَّض بسهولة. فعلى خلاف مؤيد، الذي اتخذ من التهور والمخاطرة نهجًا لحياته، كان كنان مثالًا للهدوء، بارد الأعصاب، يزن الأمور بعقلٍ راجح؛ ولعل ذلك هو ما ميّزه دومًا.
في دار العزاء…
كعادتها، كانت ميسون تلجأ إلى سطح المنزل، ذلك الركن المنعزل الذي اتخذته ملاذًا لأوجاعها. كانت تحتضن آخر ثوب ارتدته أمها قبل أن توافيها المنية، تضمه إليها وكأنها تعانق دفء الذكرى، وكأن القماش ما يزال يحتفظ ببقايا روحها. دموعها كانت تنهمر بلا رحمة،تغمر عينيها حتى غدت الرؤية أمامها ضبابية، وكأن العالم كله يذوب في حزنها. ولو استمرت على هذه الحال لربما فقدت بريق عينيها واستحال لونهما الأخضر إلى بياضٍ شاحب .
انسلت بعض خصلات شعرها النحاسي، المتوهج بسحرٍ خفي، من رباطها، لتلامس بشرتها البيضاء التي بدت وكأنها تعلن تمردها على أشعة الشمس القاسية...ظهرت بقع حمراء متناثرة، شاهدة على إهمالها لنفسها…ولكن هذا الإهمال ليس الوحيد فقط وكان الأدهى والأمر، إهمالها لدراستها، لعامٍ سيكون الفاصل في تحديد مصيرها، والميزان الذي سيزن مستقبلها.
سمعت وقع أقدام تصعد الدرج، فانتفضت على الفور. مسحت دموعها بسرعة، وكأنها تحاول أن تمحو أثر ضعفها، ونهضت لتغادر قبل أن يراها أحد...قبل أن تُسأل...قبل أن تضطر للكلام. وصلت إلى باب السطح، ومدّت يدها إلى المقبض…لكنه فُتح قبل أن تلمسه.
وقف أمامها، عاقدًا ذراعيه عند صدره، وقال بنبرة تحمل عتابًا ممزوجًا بصرامة /راح تهربي ثاني؟
الترجمة/هل ستهربين مجددًا؟
رفعت رأسها نحوه، وعيناها تلمعان بدموع الحاجة والحزن، ثم خفضته بسرعة، خشية أن تخونها دموعها أكثر…فهي لا تريد أن تزيد فوق أوجاعهم وجعا آخر.
اقترب منها، ومدّ يده إلى ذقنها، ورفع رأسها برفق. أغمضت عينيها بقوة، لكن دموعها انسابت رغمًا عنها، وكأنها تأبى الانصياع لإرادتها. مسح دموعها بأنامله، وقال بصوتٍ دافئ/من وقتاش تخبي عليا...ابكي قدامي كيما تحبي ولوقت لي حبيتي...مكيش وحدك
الترجمة/منذ متى تخفين تلك الدموع عني؟اتخالين نفسك وحيدة دون سند...انت مخطئة
شدّها إلى صدره، وضمّها بحنان، يربّت على شعرها، بينما كانت تبكي بصمت، متشبثة بثوب أمها في يدها اليسرى، وكأنها تستمد منه بقايا الحياة.
لاحظ البقع الحمراء المنتشرة على يديها ووجهها، فتغيّرت ملامحه إلى القلق، فهو يعلم أن بشرتها شديدة الحساسية منذ ولادتها، ولقد شدد الأطباء على ضرورة استخدام المرهم باستمرار.
أبعدها قليلًا، وقال بخوف واضح/كيفاه خليتي روحك حتى صرالك هك؟ تحرقتي بكل
الترجمة/كيف آل بك الأمر الى هذا الحال ؟
مسحت دموعها بيدها، وقالت ببرودٍ متعب/ميهمش
الترجمة/لا يهم
عقد حاجبيه وقال بحدة ممزوجة بقلق/كيفاه ميهمش؟ هاذي...فضتلك البوماد ولا كيفاش؟
الترجمة/الا تهمك حالك؟انظري مالذي حل بك؟... هل نفد منك المرهم أم ماذا؟
ردّت بانفعال، وقد اشتعل الألم في صوتها/انا لي محبيتش... انا. ماما ماتت وانا نقعد نتمسخر؟
الترجمة/أنا من لم أرد وضعه ...لقد توفيت امي وهل حقا يهم ان فعلت ذلك ام لا ؟
تنهد وقال محاولًا إقناعها/موش تمسخير، علبالك بحالتك...وباين راهو عندك السطر، افهمي راكي تحرقتي
الترجمة/هذا ليس استهزاءً، أنتِ اعلم بحالتك... ويبدو أنكِ تتألمين عليك استيعاب الأمر انها اقرب الى ان تسمى حروقا
همست بصوتٍ مكسور/كانت هي لي ديرلي دايما... كي خلتني ضعت
الترجمة/كانت هي من تعتني بي دائمًا...وعندما تركتني،لم اعد استطيع ايجاد نفسي بين كل هذه الفوضى
ثم انفجرت باكية/ماتت يا مؤيد...ماما ماتت
الترجمة/ماتت يا مؤيد...لقد ذهبت دون عودة
ضمّها مجددًا، وقال بصوتٍ حنون/راهي معانا دايما... وراهي تشوف فيك كيفاه تعذبي في روحك...راهي خلاتك أمانة عندنا، تحبينا نخونوها؟
الترجمة/هي معنا دائمًا...وتراك تعذبين نفسك...انت امانة تركتها بين ايدينا، أتريديننا أن نخونها؟
تشبثت بقميصه، وأسندت رأسها إلى صدره، تبحث عن أمانٍ فقدته برحيل أمها.قال بثبات/رانا معاك...انا خوك وكنان هنا وبابا، رانا دايما معاك...ولحاجة لي قلقاتك رانا هنا
الترجمة/جميعنا معك ...نحن دائما لأجلك .
ابتعدت عنه ووقفت امامه...صمتت لحظات، ثم همست/مؤيد... تثق فيا؟
الترجمة/مؤيد... هل تثق بي؟
ابتسم وقال بثقة مطلقة/منثقش في روحي وناثق فيك... واذا بيك على الهدرة لي دور بين الرخاس، انا مصدقتهاش، لا انا لا كنان لا بابا... انتي راكي بنتنا ومستحيل تغدرينا...اردف مبتسما /هاضحكي ذرك خلينا نشوفو ضحكتك
الترجمة/قد لا أثق بنفسي لكني أثق بك...وإن كنتِ تقصدين الكلام الذي يدور بين السفهاء، فلا احد من ثلاثتنا يصدقه... أنتِ ابنتنا ويستحيل ان تخوني ثقتنا
ابتسمت ابتسامة قصيرة. مسحت دموعها، ونزلت معه…إلى المكان الذي بدا وكأن الجميع تآمر ليجعله جحيمًا لها
كانت أنامله متشابكة مع أناملها الرقيقة، يشدّ على يدها وكأنه يعلن صراحة وعنادا فيهم أن لهذه الفتاة سندًا لا يُكسر، وظهرًا لا ينحني. نزلا الدرجات الأخيرة معًا،وحين وطئت قدماهما الأرض، التفت مؤيد إليها، وقد رقّ صوته قليلًا وهو يقول/روحي البسي قشك وارواحي نديك لسبيطار داوي ومبعد نروحو نحوسو عندك بزاف وانتي هنا في وسط...
الترجمة/اذهبي وارتدي ملابسك وتجهزي، سأقلك إلى المستشفى، وبعدها سأخذك في جولة هذا سيكون افضل بكثير من هذا الجو الكئيب .
لكن كلماته قُطعت فجأة، كخيطٍ انشدّ ثم انقطع، حين دوّى صوت عمّتها سارة، حادًا كحدّ السيف/كي انت كي امك تجحدوا النعمة وتنكروا الخير
الترجمة/أنت كأمك تماما جاحدان للنعمة ناكران للمعروف
استدار مؤيد ببطء، وقد لمعت في عينيه شرارة غضبٍ مكبوت، فهو ليس ممن يتركون الكلام الجارح يمرّ مرور الكرام. قال بنبرة مستفزة تخفي تحتها احتقانًا واضحًا/ماما عندها الحق كي نكرت خيركم... الخير لي يجي من عندكم بوغبار بيه، أصلا فكريني واش من خير درتوا معاها؟
الترجمة/أمي محقة حين أنكرت معروفكم...لا حاجة لنا بخير يأتي من طرفكم، أساسا عن اي خير تتحدثين ؟
رمقته بنظرة ازدراء ثم استدارت مبتعدة دون أن تكلف نفسها عناء الرد.
عاد مؤيد ببصره إلى ميسون، وقد خفف من نبرته/هيا روحي البسي...اني هنا نستنا
الترجمة/هيا اذهبي أنا هنا بانتظارك
أومأت برأسها في صمت، ثم سارت نحو غرفتها. دخلت، وأغلقت الباب خلفها، وكأنها تغلق على نفسها عالمًا كاملًا من الذكريات. لم يتغير شيء في الغرفة منذ آخر مرة رتّبتها فيها برفقة أمها… كل زاوية، كل تفصيل، كان ينبض بصوتها الغائب.
تمتمت باستغفارٍ خافت، ثم فتحت خزانتها على مصراعيها، كأنها تفتح بوابةً إلى ماضٍ لا يزال حيًا في قلبها.اختارت فستانًا بلون اللافندر، تتناثر عليه أزهار الخزامى كأنها مرسومة بعنايةٍ شاعرية، وكانت أكمامه واسعة،اختارته هو بعينه لتسهل على الممرضة معالجة بشرتها المتضررة. ارتدته ببطء، ثم تقدمت نحو المرآة.
وقفت أمامها لحظات…تتأمل انعكاسها وكأنها ترى شخصًا آخر. ملامح شاحبة، وعينان أرهقهما البكاء، وروح بدت وكأنها أثقل من أن تبقى داخل هذا الجسد. مدت يدها إلى خمارٍ أبيض، وبدأت ترتديه بعناية، كأنها تحاول أن تعيد ترتيب ما تبقى منها.
حين انتهت، التقطت هاتفها، وغادرت الغرفة بعد أن أغلقتها بالمفتاح…وكذلك فعلت مع غرفة والدتها، فقد غدا ائتمان أولئك القوم ضربًا من السذاجة.
وجدت مؤيد عند الباب، ينتظرها. سارت نحوه تحت وابلٍ من نظرات الحقد، ثم خرجا معًا،صعدا السيارة، وانطلق بها نحو المستشفى.
في الطريق، التفت إليها ليتفقدها…فوجدها، كما هي، غارقة في شرودها، بعيدة عنه رغم قربها.
قال مبتسمًا، محاولًا انتشالها من أفكارها/خرجتك باش تنحي على بالك ولا باش تكملي تخمي؟
الترجمة/كنت اظن ان الفرصة تسنت لي للتخفيف عنك وليس لإعطائك متسعا للشرود
حاولت أن تتماسك…فهي تعلم أن استمرارها على هذا الحال لن يقودها إلا إلى الجنون، أو إلى اللحاق بوالدتها…وهذا ما سيزيد من ألم الثلاثة المتبقين لها.
التفتت إليه بابتسامة خفيفة، وقالت/غدوا بربي إن شاء الله نرجع نقرا
الترجمة/غدًا بإذن الله سأعود الى الثانوية فلدي عمل لم ينتهي بعد
أشرق وجه مؤيد بفرحٍ صادق، فقد كان يحمل همّ هذا الموضوع في قلبه/يا خيراتك يا ربي! مالا فيها باك avec mention
الترجمة/يا له من خبر سار! اذن من الآن دعينا نأمل انك ستنالين البكالوريا بتقدير ممتاز
ابتسمت ميسون، وقالت بثقةٍ بدأت تستعيدها/إن شاء الله، علاش لا…لازم نحقق حلم ماما، لازم
الترجمة/إن شاء الله، ولم لا…لن أترك حلم امي عالقا في ارض المستحيل...بل سأحققه
مؤيد بحماسٍ صادق/بربي إن شاء الله تشرفيها وتشرفينا كامل
الترجمة/بإذن الله ستشرفينها وتشرفيننا جميعًا
وبعد جولةٍ صغيرة، كأنها محاولة لصناعة شيءٍ من السعادة وسط هذا الركام، عادا معًا.وفي طريق العودة، رفعت ميسون كمّ حجابها، تنظر إلى تلك البقع الحمراء المضمّدة. صحيح أنها شعرت بالألم حين عالجتها الممرضة، لكن الحقيقة التي لا مفر منها…أن كل هذا كان نتيجة إهمالها لنفسها.كانت قد توقفت عن السير في درب الحياة، وجعلت من الفقد ذريعة لكل ما أصابها…لكن ذلك لم يكن صوابًا.نعم…لعلنا نحزن، وتفيض دموعنا كلما أضاءت الذكريات صورهم في قلوبنا، لكنهم رحلوا…أجسادهم عادت إلى التراب، ونحن أيضًا مخلوقات من طين، وإليه سنعود. لا مهرب من دورة الفناء، ولا سبيل لتغيير سيمفونية الوجود.
قطع شرودها صوت مؤيد/وش بيك تشوفي فيهم؟عندك السطر ؟
الترجمة/هل تتألمين ؟
أجابت بهدوء/لا...اي، قلقتني الفاصمة برك
الترجمة/لا…فقط أزعجتني الضمادات قليلًا
قال بنبرة حازمة/خليهم ذوك يرتاحو…ياخي شريالك البوماد، عودي كل وقت ديري، متهمليش روحك تخليهم يشمتو فيك…لحق تاع ربي كان ناضوا روحوا خير، زعما زعما حنا قاعدين معاهم من نهار جاو مشفنا الراحة
الترجمة/لا تعبث كثيرا بها سترتاح بمرور الوقت ...ألم أشترِ لك المرهم؟ استعمليه باستمرار، لا تهملي نفسك وتدعيهم يشمتون بك…بصراحة،الأفضل ان يغادر الجميع يزعمون انهم هنا لتخفيف عنا لكن منذ قدومهم لم نبصر الراحة
نظر إلى الساعة في اللوح الذكي المثبت في المنتصف بجانب المقود، فتنهد بانزعاج/كان غير تكون روحت هذيك
الترجمة/ارجو انت تكون قد عادة
سألته باستغراب/شكون؟
الترجمة/من تقصد؟
أجاب /أماني وشكون غيرها
الترجمة/أماني و من غيرها؟
قالت بهدوء/خليوها برك
الترجمة/دعوها وشأنها
ردّ بضيق/هاذيك كان نخليوها شوي تطغا وتعفس فينا، كل مزالتي متعرفيهاش
الترجمة/إن تركناها قليلًا ستتمرد وتتمادى، أنتِ لا تعرفينها بعد
أوقف السيارة أمام المنزل. وقبل أن ينزل، أمسكت ميسون بيده وقالت بنبرة رجاء/متتقابضش معاها… راك تقلق روحك وتقلق بابا، فرات…خليها على روحها
الترجمة/لا تتشاجر معها…ستغضب نفسك وتزعج أبي…اتركها وشأنها
تمتم وهو يفتح الباب/إن شاء الله… إن شاء الله
الترجمة/إن شاء الله… سأحاول
نزلا من السيارة، ودخلا المنزل. أغلق الباب خلفه، ثم نادى بصوتٍ عالٍ/أماااني!امااانيي
نزلت عمته من الدرج، وقالت ببرود/علاش تعيط؟ واش كاين؟
الترجمة/ ما الأمر؟لما كل هذه الضوضاء
قال مؤيد بنفاد صبر/بنتك روحت ولا مزال؟ وإن شاء الله تكون روحت، بلي منيش حاب نقتل كاش واحد
الترجمة/هل هي بالمنزل؟ وآمل أنها هنا، فأنا لأود ان أقتلها بكلتا يدي
أجابت ببرودٍ أشد/مروحتش
الترجمة/لم تعد
التفت إلى ميسون وقال بعتب/وتقوليلي خليها؟
الترجمة/وتطلبين مني ان اتركها؟
ثم عاد يخاطب سارة بانفعال/علبالك قداش في الساعة ذرك؟ راهي الثامنة، الدنيا ظلامت… تعيطي لها ذرك، تقلك وينهي نجي نديها، والهدرة معاها موش معاك
الترجمة /هل تعلمين كم الساعة الآن؟ إنها الثامنة، والظلام حالك…اتصلي بها الآن، واسأليها أين هي سأذهب لإحضارها، وكلامي لم ينتهي بعد
ابتعدت عنه، وكأنها تتعمد استفزازه، وقالت/عيطت لها، ما تهزش
الترجمة/اتصلت بها، لكنها لم ترد
استدار مؤيد، وقد اشتعل الغضب في صدره، واتجه نحو الباب قائلًا/معليش…متحبيش تعيطيلها...ذوك نجيبها انا
الترجمة/حسنًا...ان لم تتصلي بها فسأحضرها بنفسي
وغادر تاركا خلفه جوا من التوتر ....يبدو ان القادم لن يكون أفضل...بل أسوء بكثييير .