تحت سماء غزة - الغياب الذي لا يُقال - بقلم نور | روايتك

اسم الرواية: تحت سماء غزة
المؤلف / الكاتب: نور
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الغياب الذي لا يُقال

الغياب الذي لا يُقال

مرّ يوم… وبعدين يوم تاني. في غزة، الوقت ما بيعدّيش بنفس الشكل. هو بس… بيتراكم. نور كانت قاعدة جنب أمها، لكن المكان كان مختلف. فيه كرسي فاضي. كرسي ما حدش قاعد عليه. بس وجوده كان واضح أكتر من أي حد. أمها كانت بتبص للباب كل شوية. من غير ما تقول حاجة. لكن نور كانت فاهمة. في انتظار. وفي غزة… الانتظار ممكن يبقى أقسى من أي حاجة تانية. "ماما… هو هيرجع امتى؟" سؤال صغير… لكن وقع في الغرفة زي حجر. أمها ما ردتش بسرعة. بصّت للأرض. وبعدين قالت بصوت واطي: "مش كل اللي بيخرج… بيرجع في نفس الوقت." نور سكتت. بس قلبها فهم. مش محتاجة شرح. في المساء… الكرسي الفاضي لسه مكانه. كأنه بيرفض يتحرك. نور قربت منه ببطء… وقعدت جنبه. كأنها بتحاول تعوّض غياب مش مفهوم. فتحت دفترها… بس المرة دي ما كتبتش بسرعة. إيديها كانت تقيلة. وبعدين كتبت: "فيه ناس مش بتمشي… هي بس بتختفي من حياتنا شوية." سكتت. وبعدين كملت: "بس إحنا بنستناهم كأنهم لسه هيكملوا الجملة." في اللحظة دي… أمها دخلت الأوضة. وقفت عند الباب. وبصّت للكرسي. سكتت. وبعدين قالت: "الكرسي ده… بقى ذكرى قبل ما يبقى حاجة تانية." نور بصّت لها: "يعني إيه؟" أمها ما جاوبتش. بس دموعها قالت الإجابة قبلها. الليل نزل تاني. والبيت كان أهدى من العادي. نور كانت نايمة… لكن مش مرتاحة. فيه حاجة تقيلة في قلبها. حاجة اسمها الفقد… من غير ما حد يقول الاسم بصوت عالي. في الصبح… نور صحيت على صوت أمها وهي بتفتح الباب بهدوء. قامت بسرعة. "ماما؟" أمها كانت واقفة عند الباب… وشها مش زي امبارح. أهدى. أضعف. لكن مستسلمة. "تعالي يا نور…" صوتها كان واطي. "هنمشي نقعد شوية برا." خرجوا سوا. الشارع كان نفس الشارع… بس في عيون نور، كل حاجة اتغيرت. كل زاوية فيها سؤال… وكل صوت فيه ذكرى. قعدوا على حجر صغير جنب الطريق. أمها بصّت قدامها وقالت: "فيه حاجات ما بنقدرش نفهمها… غير لما نسكت عنها شوية." نور قالت: "بس السكوت بيتعب…" أمها ردت: "وأحيانًا… الكلام ما بيكفّيش." سكتوا سوا. بس السكوت ده… كان مليان كلام. نور بصّت للسماء. وقالت بهدوء: "هو دلوقتي فين؟" أمها ما ردتش. بس مسكت إيدها. بقوة خفيفة. كأنها بتقول: "هو مش بعيد… بس مش قريب زي الأول." نور فهمت. مش كل الفقد بيكون نهاية. بعضه… بيبقى شكل جديد من الحياة. في آخر اليوم… نور رجعت البيت. وقفت قدام الكرسي الفاضي. وبصّت له شوية. وبعدين قالت: "أنا هكمل… حتى لو مش معايا." فتحت الدفتر… وكتبت آخر سطر: "في غزة… الناس ما بتنساش اللي بيغيب. بس بتتعلم تعيش مع الغياب."