الفصل الثالث عشر
المشهد الاول
(داخل الفندق – ليلاً)
وقف عاصم قدام باب أوضة في الكوريدور، طلع المفتاح من جيبه وفتح الباب، ثم قال بابتسامة:
ــ "دي أوضتكم إنت وسليم."
سليم وقف جنبه وقال باعتراض خفيف:
ــ "لا، بمستأذنك... أنا هنام في الأوضة التانية لوحدي."
عاصم بص له بضيق بسيط وقال:
ــ "إنت ليه بتحب الجدل كده؟... إنت محتاج تقعد تتكلم مع مامتك، بس مش واخد بالك. المهم، تصبحوا على خير."
قالوا هما الاتنين في نفس الوقت:
ــ "وإنت من أهله."
ومشي عاصم وسابهم.
دخلت جميلة وسليم الأوضة. سليم وقف ثواني، وبصّ لها وقال بصوت هادي:
ــ "حضرتك عارفة إني لما بتوتر ممكن أقول كلام مش مقصود... ياريت ما تكونيش زعلانة مني."
ابتسمت جميلة، وقربت منه، مسكته من إيده بلطف، وقالت:
ــ "عارفة حبيبي، ومقدّرة خوفك وقلقك على أبوك... ربنا يشفيه ويقومه بالسلامة."
سليم راح قعد على السرير المقابل، وقال من قلبه:
ــ "يارب يا جميلة... يارب."
(في صباح اليوم التالي)
استيقظت جميلة على صوت المنبه، قامت بهدوء وبدأت ترتب حاجتها، ثم قرّبت من سليم وندهت عليه بلطف:
ــ "يلا يا حبيبي، فوق علشان نجهز وننزل بدري."
سليم فتح عينه وقال وهو بيتمطى:
ــ "صباح الخير... الساعة كام؟"
قالت وهي بتبص في موبايلها:
ــ "الساعة 9... بتصل بعاصم، بس تليفونه مقفول."
سليم قعد في السرير وقال بسرعة:
ــ "طب هدخل أغسل وشي، وأعدّي عليه في أوضته."
قالت:
ــ "ياريت... شوفه طمّنا عليه."
وهزت رأسها بقلق وهي بتراقب موبايلها، ولسان حالها: "روحت فين يا عاصم؟"
المشهد الثانى – المستشفى
تقف جميلة في أحد الممرات بالمستشفى، تتحدث في الهاتف بقلق واضح.
جميلة (بعصبية خافتة):
مش بيرد... وسليم سأل الرسيبشن في الفندق، قالوا له نزل بدري!
هند (على الهاتف):
متقلقيش إن شاء الله خير.
جميلة:
الوضع اللى احنا فيه ناقص قلقه هو كمان.
هند:
يا بنتي الله أعلم ظروفه... بس كنت عايزة أقولك على حاجة، عارفة إنه مش وقته، بس والله أنا هتجنن.
جميلة:
خير يا هند؟
هند (بقلق):
يسر بقالها فترة مش طبيعية، بقت غريبة جدًا، مش عايزة تتعامل معانا خالص.
جميلة (منزعجة):
إزاي يعني؟
هند:
بتهرب مننا... إنتي عارفة يسر كانت روحها في أبوها، دلوقتي لا طايقاه، ولا طايقاني!
جميلة:
فين نظريتك بقى؟ مش كنت دايما تقولي سليم بيمر بفترة مراهقة وتصرفاته طبيعية؟
هند (بتنهيدة):
لا، بجد يا جميلة... أنا خايفة يكون في حد أذاها، وهي مش قادرة تتكلم.
جميلة (بحنان):
متقلقيش... إن شاء الله خير. وأول ما أرجع اكلمها واشوف الموضوع.
في هذه اللحظة، تقترب فتاة ووالدتها من جميلة.
تبتسم جميلة، و تحتضنهما بحرارة.
جميلة (في الهاتف):
اقفل دلوقتي يا هند... سارة وصلت.
هند:
سلمي لي عليها.
جميلة:
الله يسلمك.
تغلق جميلة الهاتف، تلتفت إليهما بابتسامة.
جميلة:
هند بتسلم عليكِ.
سارة:
الله يسلمها.
تمنى (بفضول):
هو سليم فين يا طنط؟
جميلة:
جوه مع والده.
تمنى:
ممكن أدخله؟
سارة (بلطف):
اصبري ندخل سوا، بس أنا عايزة أتكلم مع طنط جميلة الأول.
جميلة (بحب):
وحشتيني والله يا سارة... إنتِ وتمنى.
سارة:
وإنتِ كمان يا حبيبتي... كنت مستنية أخلص الامتحانات و أجيلك إسكندرية أبارك لك يا عروسة.
جميلة (متحرجة):
سارة البنت!
تمنى:
مبروك يا طنط!
جميلة (بخجل):
الله يبارك فيكِ يا حبيبتي.
في تلك اللحظة، يقترب عاصم ، و يُقبّل خد جميلة أمامهم.
جميلة (بحدة خفيفة):
كنت فين؟
عاصم:
مش أنا قلت لك عندي انترفيو تعيين النهاردة؟
جميلة:
آه، صح... بس عربيتك كانت مركونة تحت.
عاصم (بابتسامة):
يا سلام على التركيز... روحت مواصلات، قلت أسهل.
عاصم (لـ سارة):
مش تعرفنا؟
سارة:
أنا سارة، مامت تمنى... تمنّى زميلة سليم من كي جي، ومن كتر ما عيالنا أصحاب، إحنا كمان بقينا أصحاب.
جميلة (امتنان):
سارة من أحلى الناس اللي قابلتهم هنا.
عاصم:
أهلاً بحضرتك.
تمنى (متحمسه):
ممكن أدخل أنا لسليم يا ماما؟
سارة (بحسم):
في إيه يا تمنى؟ ندخل سوا.
جميلة:
اتفضلوا... تعالى يا عاصم معانا.
عاصم:
لا، ادخلوا انتو... هستناكم هنا.
نظرت له جميلة بتعجب، لكنها لم تعلق، ودخلت مع سارة وتمنّى.
(بعد أقل من ربع دقيقه)
خرجوا الثلاثة من الغرفة ومعهم سليم، متجهين نحو عاصم.
سليم (بدهشة):
الله! حضرتك هنا؟... ليه ما دخلت؟
عاصم:
باباك عامل إيه دلوقتي؟
سليم:
الحمد لله، أحسن.
سارة:
إحنا نمشي بقى.
جميلة:
ملحقتش أقعد معاكِ!
سارة (مداعبة):
تبقي جدعة لو جيتي تقعدي معايا شوية.
جميلة (بابتسامة):
مرة تانية إن شاء الله.
عاصم:
لو تحبي تروحي معاها، وصلكم.
سارة (بسرعة):
ياريت والله يا دكتور، لسه ما قعدت مع جميلة ولا اتكلمنا .
جميلة (ضاحكة):
دي طمعانة إنك توصلها!
سارة (بمزاح):
بقى كده يا جميلة؟!
جميلة:
بهزر معاك.
عاصم:
يلا بينا.
تمنى (لسليم):
هتيجي معانا؟
سليم:
لا، هستنى شوية أطمن على بابا واطلع على الفندق أريح.
تمنّى (بحزن):
طب بليز... فكر في موضوع بكرة.
سليم (بدهشة):
إنتِ هبلة؟!
جميلة (بتدخل):
سليم! عيب كده.
سليم (بتبرير):
دي عايزاني أخرج معاهم بكرة!
سارة (بلوم خفيف):
مش وقته يا تمنى طبعاً.
تمنى (بأسي):
دول أصحابنا... لما عرفوا إنه هنا قالوا نتقابل كلنا.
عاصم (بحسم):
نشوف الموضوع ده بعدين... يلا بينا.
(ينصرف الجميع، ويبقى سليم للحظات أمام باب الغرفة، ثم يعود بهدوء.)
المشهد الثالث – في بيت سارة
يجلس الجميع في الرسيبشن، سارة على الكرسي الكبير، وجميلة بجوارها. عاصم يجلس على الكرسي الجانبي الأيمن، وتمنّى على الكرسي المقابل.
عاصم (مازحا):
حضرتك اللي أصرّيتي أطلع... أنا كنت ناوي ألف أشتري شوية حاجات على ما تخلصوا قعدتكم.
سارة (بابتسامة):
إزاي يا دكتور؟! زمان محمود جوزي جاي، وكنت حابة تتعرفوا. هو في التمرين مع الولاد.
جميلة (تبتسم):
هي عندها ولدين توأم في سن سيف.
عاصم:
ما شاء الله... ربنا يبارك لك فيهم.
سارة (تنهض):
يارب... هقوم أعملكم قهوة.
عاصم (ينهض أيضًا):
لا، خليكي... لو مش فيها إساءة أدب، ادخل أنا أعملها.
(سارة وجميلة يتبادلان نظرة مفاجئة)
عاصم (بضحكة):
سيبك تنموا شوية مع بعض.
تمنى (بحماس):
أنا ادخل أساعد حضرتك يا أونكل!
ينصرف عاصم وتمنى للمطبخ، بينما تلتفت سارة إلى جميلة بخبث محبب.
سارة (بابتسامة واسعة):
إيه يا بنتي السكر ده؟ ده تتحسِدي عليه!
جميلة (تضحك):
هو متعود يخدم نفسه من أيام الغربة.
سارة:
طب ما تورهوش لحد من الوحوش اللي معانا في المدرسة.
جميلة (ضاحكة):
مش للدرجة دي برضو.
---
في المطبخ، يقف عاصم أمام البوتاجاز وتمنى بجواره، تحضر اكواب.
عاصم (بلطف):
إيه بقى حكاية الخروجة بتاعة بكرة؟
تمنى (بتنهيدة):
بصراحة يا أونكل، شوفت بوستات سليم امبارح، فقلت أصحابنا نخرجه، تفاجئت إنه رفض خالص.
عاصم:
هو قلقان على والده... طبيعي.
تمنى:
عارفة، بس كنت نفسي يغير جو. هو بيحب أصحابه جدًا.
عاصم (بهدوء):
كويس إنك عايزة تسعديه.
تمنى (مرتبكة):
أفندم؟
عاصم (مبتسم):
بس الأحلى... إنه هو كمان يفكر يسعدك.
تتوقف تمنى للحظة، ثم تبتعد نحو الرف تخرج الأطباق.
---
في سيارة عاصم، تجلس جميلة بجواره، تنظر له بابتسامة.
جميلة:
سارة مبهورة بك جدًا على فكرة.
عاصم (باستغراب):
ليه بقى؟
جميلة:
من طريقتك... مساعدتك، أسلوبك... الحاجات دي يعني.
يتوقف عاصم بالسيارة على جانب الطريق، يلتفت نحوها بجدية.
عاصم:
المهم إنك إنتِ تبقي مبهورة بده.
جميلة (بخفة دم):
يا سلام! ما أنا مبهورة بك طبعًا.
عاصم (هادئ):
مش بالكلام، على فكرة.
جميلة (بنبرة مشاغبة):
هو الموضوع يقلب زعل و خناق وخلاص؟
عاصم (باندهاش):
أنا في نظرك شخص نكدي؟ بعمل زعل وخلاص؟
جميلة (مستنكرة):
يوووه بقى يا عاصم، هو لازم كل مرة نقفش وخلاص؟
عاصم (ساخراً):
لا يا ستي مش لازم... بس قوليلي لو حابة نتخانق في وقت معين علشان أبقى مستعد، اقولك كل اللي جوايا.
جميلة (متحدية):
وهو فيه إيه جواك أصلاً؟
عاصم (بهدوء):
خلاص يا جميلة...
جميلة (مصممة):
لا مش خلاص، طالما فيه كلام في زُورك، قوله... عايزة أسمعه.
عاصم:
عايزة تسمعي إيه؟
جميلة:
اللي جواك.
يصمت عاصم للحظة طويلة، ثم يشيح بنظره عنها.
جميلة (بعصبية):
ما تقول!
عاصم (بهدوء مخنوق):
مش هقول حاجة... زمان سليم راح الفندق، نلحقه.
جميلة (ببرود مصطنع):
بلاش المثالية الأوفر... ركن ابني على جنب و كمل كلامك.
عاصم (نظرة عميقة):
المثالية الأوفر؟... أنا بفتعلها ولا هي طبيعتي؟... ولا صحيح انتِ تعرفي عني ايه اصلا؟
جميلة... إنتِ تعرفي أنا بحط كام معلقة سكر في الشاي؟
جميلة (منزعجة):
عاصم بجد... إنت عايز تعمل مشكلة وخلاص.
عاصم (بهدوء مجروح):
لا... بسألك. تعرفي إيه عني؟ تاريخ ميلادي مثلا؟ اهتماماتي؟
طب حتى سألتني عملت إيه في الإنترفيو النهاردة؟
لازم أنا اللي أهتم... وأنا اللي ادور... مش كده؟
يصمت للحظة، ثم ينظر أمامه ويبدأ تشغيل السيارة.
عاصم (بأسى):
تقريبًا علشان ما نمت كويس، بقيت أهرت كتير...
يلا بينا نروح، وبعدين نتكلم.
تهز جميلة رأسها بالموافقة في صمت، وتتحرك السيارة نحو الفندق...
والكلام اللي ما اتقالش، يفضل يعافر في الصدرين.