حكايتي مع الزمان - الفصل العاشر - بقلم ونس الروح - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: حكايتي مع الزمان
المؤلف / الكاتب: ونس الروح
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل العاشر

الفصل العاشر

مشهد الاول - صباح العيلة في بيت والدتها، رن جرس الباب، فقامت الأم من مكانها بهدوء، فتحت الباب وابتسمت فور ما شافت أحمد واقف قدامها. قال مبتسمًا: - صباح الخير يا ست الكل. ردت بابتسامة حنونة: - صباح الهنا على قلبك يا حبيبي... تعالى، تعالى. دخل أحمد وأغلق الباب وراءه، ثم تبعها للانتريه وجلس بجوارها. قال وهو يحاول إخفاء قلقه: - مش كنتي جيتي معانا أحسن؟ ردت بثقة: - يا بني، إنت قلقان ليه؟ مانا كنت بقعد لوحدي لمّا أختك كانت متجوزة. ابتسم أحمد وقال بنبرة فيها شيء من الحزن: - لمّا كانت... هي دلوقتي متجوزة على فكرة، بس واخدة من الحظوظ أبشعها. ضحكت الأم وقالت وهي تهز رأسها: - داه علشان تحس بطعم الهنا بعد المر يا واد... ربنا يعوضها خير. قال أحمد متنهّداً: - ربنا يصلح حالها... مقالِتش هترجع امتى؟ ردت الأم: - لما ربنا يهدي أسامة ويسيب لها ولادها. قال وهو يطالع الأرض: - والله اللي بيدمّر بعد الطلاق هم الولاد. ردّت الأم بهدوء: - ولو ما كانتش اتطلقت... كانت هي اللي هتندم وتتدمّر في الجوازة دي. هز رأسه موافقًا وقال: - ربنا يفرجها عليها إن شاء الله... أنا هنزل على شغلي، وهند قالت هتنزل يسر المدرسة وتيجي لحضرتك. قالت الأم بابتسامة راضية: - يا بني تشيلوا همي ليه؟ أنا قاعدة والله زي الفل. وقف أحمد وقال بمزاح خفيف: - خلاص... لمّا تيجي لك قوللها إنك مش عايزاها. ضحكت وقالت: - إنت توقع بينا يا واد؟... روح شغلك. ضحك أحمد وهز رأسه، ثم ودّعها وانصرف. المشهد الثاني - مد وجزر في حجرتها داخل الفندق، جلست "جميلة" على السرير، تتصفح هاتفها، ثم ضغطت على زر الاتصال بعاصم، وانتظرت... لم يُجب انها على وايت لديه مكالمه اهم منها نظرت للشاشة باندهاش: - بيتكلم مع مين ده! وقفت وتوجهت ناحية التسريحة، مررت الفرشاة في شعرها بسرعة وعصبية، ثم عاودت الاتصال... بلا رد. - لا لا... ده كده استهبال! انفعلت أكثر، وخرجت من حجرتها بخطوات غاضبة، واتجهت مباشرة نحو حجرة عاصم، طرقت الباب بإلحاح. فتح عاصم الباب وهو يُمسك الهاتف على أذنه، حدقت فيه بعصبية: - بتكلم مين كل ده؟ ضحك عاصم وقال بنبرة مرحة: - دي مامتك يا سليم... تشكي فيا؟ نظرت له نظرة طويلة، ثم قالت بتوتر: - هات أكلمه. ناولها عاصم الهاتف، فدخلت الحجرة وأغلقت الباب وراءها، واتجهت نحو السرير وجلست. قالت بحنان: - إزيك يا حبيبي؟ عاملين إيه؟ مردتش أتصل قلت نايمين. رد سليم من الطرف الآخر: - الحمد لله يا حبيبتي، إحنا بخير... وأنتم عاملين إيه؟ قالت بنبرة يملؤها الشوق: - وحشتني أوي. - حضرتك كمان... متقلقيش، يومين كده ونرجع سوا. - لسه استنى يومين يا سليم؟! - اتفسّحي شوية، وعيشي يومين لنفسك، وبعدها نرجع لك حبيبتي. اغرقت عيناها بالدموع: - أنا روحي معاكم يا حبيبي... قاطعها صوت عاصم وهو يقترب منها: - خلاص بقى... متصعبيش الحوار على الواد. أخذ الهاتف منها، وقال بلطف: - خد بالك من سيف يا بطل. رد سليم بثقة: - وحضرتك كمان خد بالك من جميلة يا أونكل. ابتسم عاصم: - في عينيّا يا حبيبي... سلام. أغلق المكالمة وجلس بجوارها على السرير. نظر إليها وقال: - إيه يا حبيبتي؟ سألته وهي تمسح دموعها: - كان بيقولك إيه؟ ابتسم قائلاً: - تغيري من علاقتي بيه ولا ايه؟ ضحكت بخفة، ثم قالت: - بجد يا عاصم... سليم كويس؟ قال بثقة: - والله زي الفل... ابنك يعتمد عليه، إنتي اللي مستصغراه. نظرت له بحسرة: - نفسي في ربع الثقة دي. وفى مساء نفس اليوم و في المول، كانا يسيران جنباً إلى جنب. قال عاصم: - كلمتي مامتك؟ - أكيد. - طب كويس. نظرت له جميلة وقالت: - هو أنت خرجتنا ليه؟ - عادي، قلت نغير جو بدل ما كل واحد قاعد في أوضته. قالت بشك: - مش حاسة... شايفة إن للخروجة دي سبب، بس أنا مش عارفاه. ضحك وقال: - اتنين في أول حياتهم... هيكون إيه السبب؟ ردت وهي تبتسم بمكر: - يمكن عايز تكسب بوينت معايا. قال بثقة: - أنا كده كده كسبان. ضحكت: - يا رب على الثقة... بس بقولك، أكيد في سبب. ابتسم ابتسامة صغيرة وقال: - الحقيقة... كنت عايزك تغيري ستايل لبسك شوية. نظرت له بدهشة: - يعني علشان كده جايبني المول؟ تدبسني في لبس! ارتبك وقال: - والله مش قصدي كده... بنتفسّح عادي، بس على حس الجو افتكرت... لو مش عاجبك الكلام، اعتبري نفسك مسمعتيش حاجة. نظرت له بحدة: - أيوة مش عاجبني! انت ارتبطت بيا وأنا داه لبسي... مش منطقي تحاول تفرض عليا ثقافتك. قال بهدوء محاولا تهدئة الموقف: - خلاص يا حبيبتي... والله ما كنت أقصد أزعلك. قالت بفتور: - تمام يا عاصم... نرجع الفندق بقى. - تمام. المشهد الثالث - قربك نار في هدوء الليل داخل غرفة الفندق، رن هاتف "جميلة". نظرت إلى الشاشة و ابتسمت تلقائياً: - أيوه يا عاصم. قال بصوته الحنون: - نسيت أقولك تصبحي على خير... إنتي بتعملي إيه؟ ردت وهي تتنقل داخل الغرفة: - بدور على الشاحن، لاقيت الموبايل يفصل... وفعلاً، انقطع الاتصال فجأة. نظرت إلى الهاتف بغيظ: - يوووووه... هو فين الشاحن! بدأت تقلب أرجاء الغرفة بعصبية، وفجأة... انقطعت الكهرباء. صرخت: - لااااااااااا! لم تمر ثواني حتى سمعت دق سريع على الباب. - افتحي يا جميلة... أنا عاصم. أسرعت إلى الباب، وفتحته. كان واقفا بكشاف الهاتف، وبمجرد أن رأته، ألقت بنفسها في حضنه. ضمها بقوة، وهمس في أذنها: - أنا عارف انك تخافي من الضلمه... متخافيش حبيبي. دخل بها للغرفة، اجلسها على السرير، احتضنها بهدوء. - طول ما أنا معك، مش تخافي أبدًا. سألته جميلة وهي ترتعش قليلاً: - عرفت منين إني بخاف من الظلمة؟ ضحك: - هو أنا كان ورايا غير أتابع على إنستا و فيس وتويتر؟! ضحكت وسط دموعها: - ده عشق بقى مش حب. رد عاصم بنبرة أكثر دفئا: - ده جنان... حضرتك شوية وكنت هبقى مجنون بيك. - يا بخته قلبي بقى... - لا، ده أنا اللي يا بختي . مد يده، رفع وجهها بلطف، ثم طبع قبلة على جبينها... تدرجت القبلات، و ذابت الحدود... و انسابت اللحظة كما لو كان الزمن قد توقف. نسوا الظلام، نسوا الشاحن، حتى نسوا أين هم... ولم يكن في الغرفة سوى ضوء الهاتف... وفي اللحظة التي بلغوا فيها قمة ذروة حبهم، عاد النور فجأة. تنهد عاصم وهمس وهو يطبع قبلة على خدها: - بحبك. لكن جميلة قامت فجأة واتجهت بسرعة إلى الحمام. بدت عليه الحيرة، لبس ملابسه سريعًا، واقترب من باب الحمام عندما سمع بكائها. - حبيبتي، إنتي كويسة؟ ردت بصوت باكٍ: - سبني لوحدي... بعد إذنك. قال بعصبية: - مش هسيبك... اطلعي كلميني بدل ما كسر الباب. فتحت الباب ببطء، وخرجت تنظر له بعيون غاضبة ودموعها تلمع. - أفندم؟ قال بلهجة هادئة يحاول يبرر: - حبيبتي... أنا جوزك، واللي حصل بينا طبيعي جدًا. ردت بعصبية: - مش وقته! مكانش لازم يحصل دلوقتي... إنت متخيل أنا في وضع إيه؟ صوته ارتفع وهو يقاوم إحساس الظلم: - ماله الوضع؟ عيالك عند أبوهم مش في الشارع! أنا فكرت فيا وفي حقوقي عليك، عارفة كام مرة قلت نطلق علشان يرجعوا؟ عارفة كام مرة ذبحتني بكلامك إني مش مهم في حياتك؟ ودلوقتي... بتحسسيني إني خدت حاجة مش من حقي؟ قالت بهدوء جارح: - خلاص يا دكتور، اللي تشوفه... اتفضل روح أوضتك، ونتكلم بعدين. أمسك يدها فجأة، وقال: - مش هديك مساحة تبعدي... هكلم المأذون يبعتلي صورة القسيمة، و أنزل ألغى حجز أوضتي، و هنام هنا. و أوريهم القسيمة! نظرت له مصدومة: - إيه الجنان ده؟! رد بثقة: - ده اللي كان المفروض يحصل من الأول... تشوفي بقى "عاصم" التاني. بعد ساعة، عاد عاصم بالغرفة يحمل شنطته. جميلة كانت جالسة على السرير، تنظر له دون أي كلام. ألقى التحية بهدوء: - مساء الخير. لم ترد. جلس على طرف السرير، أخرج هاتفه، وبدأ يتصفح الرسائل. - أيوه يا انسه مروة، مساء الخير... معلش أنا في إجازة والعيادة مقفولة، لو في حاجة ضروري ابعتيلي و انا، عيوني لك. ثم انتقل لرسالة تانية: - مدام ليلى، مساء النور... متأسف جدًا، أول ما أرجع هبلّغ حضرتك. نظرت له جميلة بسخرية: - هم كلهم ستات؟ ردّ بابتسامة ساخرة: - عندك مانع؟ - وأنا مالي. - طب قومي، اجهزي ننزل نتعشى. - مش عايزة. - أنا بقول الكلمة مرة واحدة بس. - لا يا عاصم... مش أنا اللي أتعامل بالأسلوب ده. - ولا أنا اللي أتعامل بتجاهل ولا مبالاة. رن هاتفه فجأة. - أيوه يا حبيبي، عامل إيه؟ كان "سليم" على الطرف الآخر: - الحمد لله يا أونكل... بابا اقتنع نرجع معاكم. وقف عاصم بحماس: - إيه الخبر الحلو ده يا سولي! جميلة اقتربت منه فجأة: - في إيه؟! قال سليم: - لو تحبوا نمشي بكرة مفيش مشكلة. قال عاصم: - لا، حبيبي، هعمل شيك أوت للفندق و أعدي عليكم... يلا سلام. أغلق المكالمة، وجميلة كانت تبتسم أخيرًا: - إيه؟! يمشوا معانا؟! رد وهو يرتدي جاكيت خفيف: - أيوه... شيلي حاجاتك وأنا هنزل أعمل شيك أوت. قالت بحماس: - أحسن. نظر لها بخبث: - هو إيه اللي أحسن؟ - إنهم يرجعوا معانا. صمتآ... لكن في عيونه، كانت آلاف الكلمات تتحرك. المشهد الرابع: عودًا حميدا نزلت جميلة من الفندق تتبعها الحمال وهو يحمل حقيبتها. كان عاصم واقفا بجانب السيارة، ما إن لمحهم حتى تقدم بسرعة، حمل الحقيبة من يد الرجل، واتجه بها إلى شنطة السيارة، ووضعها هناك. فتحت جميلة باب المقعد الأمامي، لكن ما إن رأت حقيبته عليه حتى التفتت إليه باستغراب: - "إيه دا؟" - "اقعدي ورا." أغلقت الباب بعصبية، واتجهت للمقعد الخلفي وجلست دون أن تنطق. تحركت السيارة نحو منزل أسامة، وأثناء الطريق نظر عاصم في المرآة وقال بنبرة هادئة: - "ممكن أتصل بيهم يخرجوا... بس ذوقيآ ادخلي ناديهم." ردت جميلة باستغراب ممزوج بغيظ: - "وإنت مش هتيجي معايا؟" - "استنى هنا." - "براحتك." فتحت الباب ببطء، واتجهت نحو الفيلا، لكنها سرعان ما توقفت، ثم استدارت وعادت إليه تقول بخوفٍ ظاهر: - "أنا خايفة." نزل عاصم على الفور، واقترب منها وقال: - "لو وجودي يقويك، فأنا معاكي." هزت رأسها بالإيجاب، وسار بجانبها نحو الباب. دق الجرس، ففتحت الخادمة بابتسامة واسعة: - "ست جميلة! يا أهلا وسهلا!" - "إزيك يا أمال؟" - "في نعمة يا ستي." ركض سيف نحو أمه و احتضنها بقوة، ثم احتضن عاصم كذلك. ولحق بهم سليم، ضاحكاً، وهو يضم عاصم ثم جميلة. - "يلا!" قالها سليم متحمساً. سأل عاصم: - "باباك فين؟" - "في الشركة." - "طب اتصل بيه كده؟" أخرج سليم هاتفه واتصل به: - "أيوه يا بابا، إحنا ماشيين." جاء صوت أسامة حادا: - "ماشي، ماشي... أنا في اجتماع مهم يا سليم." و أغلق المكالمة. نظر سليم لعاصم قائلاً: - "كنت عارف إنه هيعمل كده... يلا يا أونكل، أرجوك نمشي من هنا." حمل عاصم شنطة سيف، بينما حمل سليم حقيبته، واتجهوا جميعًا نحو السيارة. ركبت جميلة بجوار سيف في المقعد الخلفي. نظر سليم إلى المقعد الأمامي فوجد حقيبة عاصم، فسأل: - "إيه دا؟ إنتو متخانقين ولا إيه؟" أبتسم عاصم وقال: - "لا يا حبيبي... بس علشان الشنطة الخلفية مش تشيل كله، اقعد ورا مع مامتك." جلس سليم بجوار والدته، وانطلقوا نحو الإسكندرية. عند الوصول، كان عم محروس بانتظارهم، حمل الحقائب للأسانسير. حاول أن يأخذ حقيبة عاصم، لكنه رفض: - "سيب دي، اطلعها شقتي." نظرت له جميلة سريعًا، وأخذت بيد سيف وصعدت بالأسانسير مع عم محروس، ثم نادت على سليم: - "يلا يا سليم!" لكنه قال: - "اطلعوا انتو، أنا هتكلم مع أونكل شوية." ضغط محروس الزر، و صعدوا. نظر عاصم لسليم وسأله: - "خير يا حبيبي؟" قال سليم مباشرة: - "في إيه يا أونكل؟" - "مفيش، حبيبي." - "الوضع باين عليه مكهرب... لو ماما قالت أو عملت حاجة، أكيد من قلقها علينا مش أكتر." ابتسم عاصم وهو يهز رأسه: - "فاهم ومقدر ده، متشغلش بالك. على فكرة، ما قلتليش، أقنعت باباك إزاي؟" - "ولا حاجة، هو مش متعود يشيل مسؤولية. قعدت أطلب منه يساعدني في الدروس و المشاوير والتدريبات، بدأ يحس إننا عبء... قالك يرجعنا للي تعود يشيل." ضحك عاصم بإعجاب: - "ما شاء الله! بقيت تحل مشاكلك بحرفية." - "من بعض ما عندكم." - "لا، وأنا أجي إيه في بحرك؟" قال سليم بخبث: - "طب قولي، ممكن أساعدك في مشكلتكم؟" ضحك عاصم وقال: - "اطلع ذاكر يا كابتن!"