المدينة الصفراء - قواعد المدينة - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: المدينة الصفراء
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: قواعد المدينة

قواعد المدينة

مرت ثلاثة أيام، كان نديم متوجهاً للسوق من أجل أن يشتري ما أخبرته به أمه: خبز وبعض الخضار ولحم... فلم يجد بداً من أن يصحب معه صديقه سعيد ليهون عليه من قسوة السوق. أخبرته أمه أن يقتصد في شراء ما طلبته منه من أجل أن يكفيه ما معه من مال. في طريقهم، أخبره سعيد عن أن المكان الذي يعمل فيه لا يحتاج حالياً لعمال، ووعده أنه متى ما احتاجوا لعامِل سيخبره. ​عند عودته من السوق، استوقفه جاره؛ الرجل الجديد في الحي. أخبره أنه يريد أن يصبغ بيته ويحتاج لمعرفة أين يشتري الصباغة، لكنه لا يعرف أين تُباع. أخبره نديم عن مكان أقرب دكان لبيعها. وبينما كان نديم متجهاً نحو بيته، تفاجأ بالرجل ينده عليه، فالتفت إليه: — "ما اسمك يا بني؟". — "أنا اسمي نديم، وأنت ما اسمك؟". — "أنا اسمي صالح، تشرفت بمعرفتك. لقد سألتك عن أين تباع الصباغة، لكنني أحتاج من يصبغ لي هذا البيت وأنا لا أعرف هنا أي شخص؛ فسألتك أنت لعلك تعرف شخصاً في هذه المدينة.. يبدو أنني أكثرتُ عليك من الأسئلة". — "لا توجد أي مشكلة، أنا سوف أصبغ لك بيتك، لكن اليوم عندي أشغال؛ غداً في الصباح سوف أكون عندك". سُرَّ الرجل بهذا الكلام، وأخبر نديماً أنه وفر عليه عبء البحث عمن يصبغ له بيته. ​في صباح يوم الغد، استيقظ نديم مبكراً، وجد أمه تعد الفطور وإخوته مستيقظين لكن حبال النوم ما زالت ممسكة بهم، ينتظرون متى يحضر الشاي؛ لأنه أهم شيء في الفطور. سألته أمه: "هذه ليست عادتك أن تستيقظ في هذا الوقت!"، فأخبرها أنه وجد عملاً. فرحت أمه بهذا الخبر وسألته: "وأين سوف تعمل؟". — "سأعمل عند جارنا الجديد، يحتاج من يصبغ له بيته". — "تناول فطورك جيداً حتى لا تشعر بالجوع، وأنا سوف أعد لك وجبة الغداء وسأحضرها لك". ​بعد أن تناول فطوره، ذهب ليجمع أغراضه التي سوف يحتاجها من أجل عمله. سأل أمه عن فرشاة الصباغة، فأخبرته أنها توجد في صندوق قرب السلم؛ أخذ أغراضه وخرج. وجد منزل جارهم مغلقاً ومصابيح المنزل مطفأة. همَّ أن يذهب ويطرق الباب لكنه تراجع، وبقي ينتظر لعله يستيقظ أو يخرج. بعد انتظار طويل، ذهب وطرق الباب، ففتحت له "هديل". ​عندما رآها تلعثم في كلامه: "هل ي..يوجد أبوك في ال..منزل؟". — "نعم، يوجد". — "حسناً، أخبريه أن نديم ينتظره". أغلقت الباب وذهبت عند أبيها؛ كان يجلس في فناء البيت ويحمل كتاباً يقرؤه: "يا أبي، نديم ينتظرك خارج المنزل". تعجب الأب: "من هو نديم هذا؟ ولماذا ينتظره؟"، لكنه تذكر فجأة، فأخبرها أنه نسي أمره: "اذهبي وأخبريه أن يدخل". ​دخل فألقى التحية على العم صالح، فدعاه العم للجلوس قربه وأخبر ابنته أن تحضر الشاي. — "لقد نسيت أمرك يا بني، كنت أود أن أخبرك...". قاطعتهم هديل بإعطائهم الشاي ثم جلست قربهم تسمع حديثهم؛ هذا جعل نديماً يرتبك لأنه لم يعتد أن تجلس قربه فتاة بهذا الجمال. أكمل العم صالح حديثه: "كنت أود أن أخبرك البارحة بأن لا تأتي، لكنني نسيت الأمر". — "ولماذا؟". — "لقد ذهبتُ البارحة لكي أبحث عن طلاء أزرق، لكنني لم أجده". تفاجأ نديم وسأله: "ألا تعرف أنه لا يوجد في مدينتنا سوى اللون الأصفر؟". — "نعم، لقد استغربتُ من هذا الأمر! كل دكان أذهب إليه وأسأله عن اللون الأزرق ينظر إلي بنظرة استغراب ويخبرني أنه لا يوجد هنا إلا اللون الأصفر. لقد استغربتُ حقاً". — "ألا تعرف يا عمي صالح قانون "المدينة الصفراء"؟ ألم تقرأه عند مدخل المدينة؟ يقول بأن الاختلاف في المدينة الصفراء ممنوع! ألم تشاهد أن أغلب المنازل مطلية باللون الأصفر؟ ألم تلاحظ أن جميع المنازل تشبه بعضها حتى الدكاكين؟". — "نعم يا بني، حتى شوارعكم تشبه بعضها! لقد تهتُ عندما كنت أبحث في الدكاكين عن اللون الأزرق، لم أعد أعرف أين كنت ولا أين أتجه، ولم أرجع إلى هذا المنزل إلا بشق الأنفس. لقد لاحظتُ ذلك وتعجبتُ كيف تعيشون هنا دون أن تتيهوا!". — "إن من يعيش في المدينة الصفراء لا يتيه، إنما من يدخل إليها هو من يتيه". — "ألا يعرفون أنه إذا كان لكل منزل لونه الخاص، فهذا يجعل المدينة تزداد جمالاً ويسهل العيش فيها ولا يتيه فيها أحد؟". — "إنهم يعتبرون أن اللون الأصفر توجد بداخله جميع الألوان، فلمَ يزعجون أنفسهم بألوان أخرى؟ كل من حاول أن يغير من لون منزله كان مصيره إما أن يصبح منبوذاً في المدينة أو يذهب للسجن". ​تعجب العم صالح: "كيف يعيش الناس في هذه المدينة؟". — "لكي تعيش بسلام في المدينة الصفراء، يجب أن لا تختلف عن أهلها؛ إنهم لا يحبون الاختلاف". قاطعتهم هديل: "أنا أيضاً كنت أتجول في الحي، وكان أهل الحي ينظرون إلي بنظرات تفصح عما في داخلهم، كأنني غير مرغوب بي هنا". نظر إليها نديم للحظات ثم أنزل عينيه إلى الأرض وهو يقول: "إن من يعيش في المدينة الصفراء غرباء عن بعضهم ولا يحبون الغرباء. لو كانت هذه المدينة تتكلم لأخبرتكِ أنهم يعيشون وسطها دون أن يعرف أحدهم الآخر؛ لأخبرتكِ أنها تعرف ما أحبه وما لا أحبه أكثر من أهلي. المدينة الصفراء تعرف الأسرار التي لا يجرؤ أهلها على التحدث فيها فيما بينهم". استأذن نديم من العم صالح بعد هذا الحديث الطويل، وأخبره أنه سوف يزوره في مرة مقبلة، ثم حمل أغراضه واتجه إلى منزله.