ليس هذا الوقت لمشاعري
ثلاث أيام من الصمت المؤقت
مضى على وجودنا في هذا المنزل الخشبي ثلاثة أيام.
لم نتحدث عن مشاكلنا، ولا عن ماحدث في ليلة الهروب. كأننا اتفقنا بصمت على أن نأخذ استراحة قصيرة من كابوسنا المشترك.
تبادلنا أحاديث خفيفة عن أشياء بسيطة: ما نحبه، ذكريات الطفولة قبل أن تسرقها الحياة منا.
لكن المساء جاء مختلفاً.
كنت أشعر بالبرد ينخر عظامي كأصابع شبح. جلست على الأرض الخشبية، أحاول أن أدفئ نفسي بأنفاسي.
ثم جاء أيهم. أشعل النار في المدفأة القديمة. جلس بجانبها، والنيران ترقص في عينيه المتعبتين.
اقتربت منه. جلست قربه. دفء النار كان لطيفاً... لكن دفء وجوده كان ألطف.
ثم نطقت بالكلمة التي كنت أخبئها منذ أيام:
«عليّ أن أذهب إلى بيتي.»
نظر إلي متفاجئاً. حواجبه ارتفعت قليلاً.
«لماذا؟»
«أريد أن أحضر الأمانة التي تركها جدي لي بعد وفاته.»
«ليس هذا وقتاً مناسباً يا هتون. فمازلتِ في خطر.»
«أعلم.» نظرت إلى النار. «لكنني لن أبقى هكذا بلا حراك. وأريد أن أعرف... مالذي عرفته قبل أن نخرج من منزلك انت لم تخبرني حتى الآن؟»
صمت.
ثم بدأ أيهم يروي.
---
أيهم – الملف
«كنت أبحث كثيراً في غرفة والدي. وجدت ملفاً يثبت أنه كان يساعد رجال خطرون أظن بأنهم عصابة خطيرة.. بأشياء ممنوعة.»
صوته كان خافتاً، كمن يحكي كابوساً لا يصدقه.
«وكانت تلك المرأة... جيهان... شريكة له. لكن والدي كان يجمع أدلة عليهم ويضعها في هذا الملف. كأنه كان يخطط لشيء... أو يخاف منهم.»
«أخذت الملف. خبأته خارج المنزل. الطابق العلوي كان فارغاً تماماً فتشت وبحثت كثيراً...حتى وصلت لخزانة كبيرة فارغة.»
توقف. بلع ريقه.
«داخل الملف، وجدت مفتاحاً صغيراً. بحثت في الطابق العلوي.. داخل خزانة حتى وجدت علبة صغيرة. مقفلة فتحتها بالمفتاح.»
«كان بداخلها شريط مسجل صوتي... لم أستمع إليه بعد خبأته مع الملف الذي عثرت عليه.»
«لكن ما صعقني حقاً... ورقة كتبها والدي بخط يده.»
نظر إليّ. عيناه كانتا تموجان بالألم.
«كتب: "قتلت جيهان حتى الموت. ودفنتها في حديقة المنزل بنفسي."..... ذكر أنها كانت متزوجة ولديها طفلة صغيرة على من يجد الورقة العثور على ابنة جيهان »
ساد صمت أطول.
ثم همس: «لا أصدق يا هتون... مالذي كنت غافلاً عنه؟ لدي والدان مجرمان. وم قاتلة..وأب قاتل لا اعرف هل هما شريكان بالجريمك ام ان والدي يحمل مسؤولية القتل لنفسه فقط لينقذ أمي و. و. وأخت... لا أعرف ماذا أقول عنها بعد الآن.»
انفجرت شهقة صغيرة من صدره.
هل أمي هي من قتلت جيهان.؟ أردت أن أعرف من تكون تلك المرأة. ذهبت وسألت صديق والدي... العم حيان.»
«عاملني بجفاء في البداية. لكن عندما ذكرت له جيهان... استقبلني. وحدثني عنها.»
---
هتون – فضول يحرق
اقتربت منه أكثر. النار ترمي بظلالها على وجهه.
«ماذا حدثك عنه بالضبط؟ أخبرني...»
تنهد أيهم. ثم روى:
«قال لي: "كانت صديقة عمل في البداية. لا أكثر. وعندما نجحت أعمال والدك... قرر الزواج منها."» رغم وجود أمور غامضة بينهم قال انها كانت تزورنا كثيرا لكني لا اذكرها ابداً وكأني فاقد الذاكرة
«والدتي... جن جنونها. كان والدي يغيب لأيام ثم يعود ويفتعل المشاكل. هكذا أذكر طفولتي... دون سبب واضح.»
«منذ سبع سنوات تقريباً، جاء والدي مصطحباً جيهان معه إلى المنزل.» هذاه الذكرة أذكرها جاء بصحبت أمرأة غريبة وصعدو للطابق العلوي جاءت هديل وطلبت ان نلعب في البساتين المجاورة خرجنا ولعبنا لعبة الغميضة حتى اختفت هديل ظننت انها تاهت وبقيت أبحث عنها لساعات عدت للمنزل أبكي لأخبر أمي بما حصل فوجئت بوجودها بغرفتها تبكي....
توقفت هتون فجأة.
«أيهم هل مو الممكن ان تكون الجريمة حصلت بهذا الوقت وبكاء هديل يؤكد أنها رأت مافعله والداك.. .»
فكرت بهذا لكني لم اسأل هديل عن ذالك انا اعرف جيداً انها ستنكر ذالك ولن تتحدث بشيئ
«العم حيان قال إنه لم يسأل عن شيء بعدها. فقط أخبره والدي بأنه ترك جيهان لتسافر... ولن يتواصل معها مرة أخرى.»
«بعدها... تغيرت والدتي كثيراً. أصبحت كتمثال نُزين به المنزل. لا حنان. لا اهتمام. لا شيء.»
نظر إليّ أيهم بعيون طفل ضائع.
«أتذكرين يا هتون؟ أخبرتك من قبل... والدتي لم تعطني الحنان يوماً. كانت هديل تحاول أن تغطي النقص الذي شعرت به لسنوات. والآن... حتى هديل لم تعد كما كانت.»
صمت للحظة. ثم قال:
«الآن... ما يثير فضولي هو تلك العصابة. وشخصية جيهان. ماذا فعلوا؟ وما الذي أوصلنا إلى هنا؟»
---
هتون – كلمات الجد
نظرت إليه.
كان محطماً. منكسراً. كمن اكتشف أن العالم الذي عاش فيه كان كذبة كبيرة.
«أيهم...» همست.
«تضعنا الحياة دائماً في أودية مليئة بالذئاب. إما أن تخرج بنفسك، تساعد نفسك، وتكتشف الحل لنجاتك. وإما أن تبقى غارقاً في الوحل. لتنهش الذئاب لحمك.»
ابتسمت بمرارة.
«هذا ما كان يحدثني به جدي. لا تفكر كثيراً. كل ما كان وحدث... لست أنت المذنب. لا تلم نفسك على شيء.»
ألتزمت الصمت.
كنا ننظر إلى النار معاً. أفكاري كانت تتآكل داخلي بينما أحاول أن أواسيه.
ثم نطقت بالسؤال الذي كان يحرق رأسي منذ سمعت قصته:
«هل الرجال الخطرون. العصابة. التي ذكرتها... تَمُتُّ بصلة للعصابة التي تلحق بي؟»
نظر إليّ. لم يجب.
لكن صمته كان جواباً.
نهضت.
«عليّ أن أعود إلى منطقتي. لأكتشف بعض الأمور. لن أبقى ساكنة. سأبحث عن أي دليل. لأوقع بهم. وأنتهي من رعب مطاردتهم لي.»
وقف أيهم أمامي. نظر في عيني. ثم قال بصوت هادئ لكنه حازم:
«لن تذهبي وحدك. سأذهب معك.»
«لكنك...»
«لا نقاش. سنذهب معاً. أو لن تذهبي.»
ابتسمت رغماً عني.
لأول مرة منذ أيام، شعرت أنني لست وحدي في المعركة.
...................
هتون – نبض لا يُخفي أسراره
أثناء الطريق، كان ينظر إليّ أيهم في المرآة.
نظراته تخترق صمتي، تقرأ ما لم أبح به بعد.
لن أكذب على نفسي. وسأقولها بصراحة، ولو كان قلبي يرتجف:
في أعماقي، بدأت مشاعر تتفتح كزهرة في عز الشتاء. مشاعر تُنبتُ في التربة المالحة. مشاعر تدل على شيء واحد:
أنني معجبة بأيهم.
لكن الزمن لا يرحم. ولا ينتظر.
أنا لست حرة كالفراشات. أنا فتاة تطاردها الذئاب. وعليّ أولاً أن أنجو. أن ألتئم. أن أصبح آمنة على نفسي قبل أن أهدي قلبي لأحد.
وهو... يا له من رجل يحمل جبالاً على كتفيه.
يصارع حقيقة والديه. يكتشف أن من كان يظنهم سنداً... هم الهاوية. وحزنه على هديل، تلك الأخت التي كانت بالنسبة له الملاذ الوحيد في زمن العواصف.
وفجأة، وبين منعطف وآخر، داهمتني فكرة ثائرة:
هل أيهم معجب بي؟
لقد قال لي بتلك النبرة التي تخترق الجدران: "تبدين جميلة جداً".
هل كانت مجرد كلمة عابرة؟ مجاملة تقال ثم تموت؟
لا. لم تكن عابرة. كانت كنسمة تدخل غرفة موصدة. لكن...
لا. لا. سأتوقف.
ليس الآن. ليس الآن يا قلبي.
---
أيهم – اعتراف صامت لروحه
حين نزلت هتون من غرفتها،
ارتطمت بنبضي.
لم تخرج للتو من تلك الغرفة، بل خرجت من حلم كان ينتظر أن يحين.
سرقت قلبي.
ليس مجازاً. لا أبالغة.
سرقته ووضعته في كفيها الصغيرتين دون أن تشعر.
شعرها المنسدل على كتفيها كليل من حرير،
يمشي كإيقاع لا يتكرر،
يهدهد الروح قبل العينين.
عيناها واسعتان، سوداوان، كليلة قمر في جوف الصحراء. تنظران إلى العالم ببراءة ترسم الوجع جميلاً.
وجنتاها تخجلان من ضوء القمر، ناعمتان كأنهما تغفو كل مساء على وسادة من غيم.
هتون... مرسومة بحروف لا تشبه أحداً.
بريئة وعميقة في آن.
تخطف القلب ببطء، كالمطر الذي لا تسمع وقع أول قطرة منه... ثم تفاجأ بأن الأرض كلها قد ابتلت.
وبكل صراحة، سأقولها الآن... لنفسي.
لجدران قلبي التي لم تكن تعلم أنها تستطيع أن تحب.
هتون... يا مطري الهادئ.
أنتِ التي أيقظتني على صوت اسمي.
سرقتِ قلبي بلا عنف، وسكنتِ عظامي قبل غرفتي.
أصبحت أسيراً لعينيك، وحريتي الوحيدة أن أراكِ كل صباح.
نعم. فقدت السيطرة للحظة.
انفلت لساني وقلت: "تبدين جميلة جداً".
لكنه لم يكن لساني.
كان قلبي الذي فاض قبل أوانه.
وهي. جميلة حقاً. فاتنة. تأخذ العقل قبل الرؤية.
و... ما الذي يحدث لي الآن؟
هل أعيش قصة حب في قلبي... وأنا الذي كل ما يلمسه يتحول إلى رماد؟
أبي قاتل.
أمي تائهة في صراعاتها.
أختي... هديل... تلك التي كانت سندي، صارت لغزاً يخيفني.
والدنيا من حولي تنهار تحت قدمي.
ومع كل هذا...
هي هناك. في المقعد الخلفي. تنظر من النافذة. لا تعلم أن انعكاس وجهها على الزجاج كافٍ ليضيء داخلي عالماً كاملاً.
تخفي وجهها قليلاً، كأنها تخاف أن يراه أحد... ولكنها لا تخفي ما في عينيها.
وأنا، يا للضعف... لا أخفي أن قلبي يرتجف كلما رفعت رأسها نحوي.
---
لا أعرف إن كانت تحبني.
لا أعرف إن كانت تشفق علي.
لا يهم. لا الآن.
المهم أن نبقى أحياء.
لكن قلبي... يريد أن يحب. ولو مرة.
ولو كان الثمن أن يظل هذا الحب سراً تحت المطر.
أغمضت عيني للحظة.
أياد كان يقود السيارة بصمت، كمن يعرف أن هناك أسراراً لا تقال.
والمطر بدأ يهمس على الزجاج.
كأنه يغسل جراحنا السابقة... ويكتب على نافذة القلب: