هتون
هتون – الليل والهروب
انتظرت حلول الليل.
خرجت ببطء شديد. أريد الهروب بسرعة. لم أعد أثق بهم.
خرجت من الغرفة.
سمعت همساً خفيفاً قادماً من غرفة الوالدة.
ذهبتي بفضول مضطرب. أهرب ولا أهتم؟ أم أستمع لعلي أعرف أكثر، فأبلغ الشرطة بكل شيء؟
قررت أن أسترق السمع. أشبع فضولي السخيف. ثم أهرب بعدها.
سمعت ما سمعته.
وصعقت.
صوت هديل تقول لأمها:
«أمي... لا تخافي. لن تفضح سرنا تلك الفتاة. سأحاول أن أتخلص منها لأجلك. وأبعدها عن منزلنا. وجودها يشكل خطراً. أشعر أنها أحست بوجود خطب ما. لا أريدها أن تفتح عيني أيهم علينا.»
«ظننت أنها ابنة تلك المرأة الحقيرة جيهان... لكن هذا تشابه بالأسماء فقط. لا أكثر.»
«لن يعلم أيهم بأنك قتلت تلك المرأة. ولن أُبقي على هتون يوماً آخر هنا. سأتخلص منها. ونعود إلى حياتنا السابقة.»
«رغم أنها آنستني في بعض الأحيان... لكنني لن أخاطر بوجودها هنا أكثر.»
صعقت.
قتل!
لا... لا. أنا في خطر حقيقي.
ما الذي يحدث هنا؟
هل أخبر أيهم بما سمعت؟
عليّ أن أهرب أولاً. أنجو بنفسي. هديل لا تنوي لي خيراً.
عدت أدراجي لأخرج.
اصطدمت بالكرسي.
صدر صوت قوي.
وهنا تذكرت ما مررت به من قبل... الرجال الذين لحقوا بي، والصوت الذي كشف مخبئي.
ارتجف قلبي.
ركضت بسرعة خارج المنزل.
المطر كان كالرذاذ يبلل الطرقات.
بدأت أركض بأقصى سرعة.
نظرت خلفي: لم تكن هناك.
ثم...
ارتطمت بشخص.
كان أيهم
هتون – ارتجاف الخريف
نظرت إليه، والرعب يسكن عيني. كنت أرتجف كورقة خريف تكاد تسقط من شدة الخوف.
«هتون... ما بك؟ تكلمي. ما الذي يحدث؟»
نظرت خلفي. رأيت هديل قادمة بخطوات بطيئة نحونا.
«أرجوك يا أيهم... اتركني. أرجوك.»
«اهدأي. لا تخافي.»
«ابتعد عن طريقي يا أيهم.»
حاولت التخلص منه، لكنه أمسك بيدي.
«ابقي معي. وتماشي مع كلامي. اتفقنا؟»
وصلت هديل.
نظرت إلينا بارتياب، تستشعر ما بيننا.
«هديل... أنت أيضاً تريدين الذهاب؟»
«إلى أين؟»
«إلى المركز الطبي. متجهان كي نجدد الضماد على كتف هتون.»
«حقاً؟ لم تخبرني هتون بهذا. كيف خرجت دون أن تخبريني؟ من المحتمل أن تضيعي هنا يا عزيزتي.»
قلت بصوت مبحوح مختنق: «شعرت بألم في كتفي...»
لم يتركني أيهم حتى أكمل. بادر قائلاً: «لقد طلبت منها أن تأتي، لكنها كانت ترفض الخروج من المنزل. لا تريد أن يراها أحد، خوفاً من أن يعرف مطاردوها أمرها. لكنها منزعجة من إصراري.»
«هيا... سنذهب إلى المركز الطبي. تعالي يا هتون.»
نظرت باستغراب. لماذا يتصرف هكذا؟ أيحميني؟ أم يعرف ما حدث بيني وبين أخته؟
أجبته بصوت متقطع: «حسناً...»
«هل تودين الذهاب معنا يا هديل، أم لا تريدين ترك أمي وحدها في المنزل؟»
«لا. لن أذهب معكما. سأعود من أجل أمي. لكن لا تتأخرا... كي لا أشعر بالقلق.»
أكملنا طريقنا. هديل كانت تنظر إلينا كل حين.
مشينا. توجهنا نحو شوارع البلدة.
ثم سحبني أيهم بسرعة نحو مفترق طرق. دخلنا بستاناً.
قلت له: «اتركني. إلى أين تأخذني؟»
قال: «اهدأي. أنا ذاهب إلى مكان نستطيع التحدث فيه.»
انفعلت بشدة. شعرت برعب وخوف. أكاد أفقد عقلي.
توقف أيهم ونظر حوله.
حاولت الهروب، لكنه أمسك بيدي بقوة.
«هتون... اهدأي. أرجوك. لن أؤذيك. أقسم أني لن أسبب لك أي أذى. سأخبرك.»
هدأت قليلاً.
قلت: «بماذا ستخبرني؟»
«أنا أعلم بما حدث بينك وبين أختي. لقد سمعتكما عندما نادتك إلى الغرفة. أختي ليست على ما يرام.»
انفعلت بشدة. صرخت فيه: «هل أنتم عصابة؟! اتركني! لن أنطق بحرف عنكم. ولا سأبلغ الشرطة. أريد فقط أن أختفي.»
حاولت الهرب، لكن كلماته أوقفتني.
«أرجوك يا هتون... لا أثق بأحد بعد الآن. أقسم أن ليس لدي أي نية تجاهك. فقط أود معرفة الحقيقة. لولا وجودك في المنزل، ما عرفت شيئاً عن أمي وجنونها. وكنت سأبقى مخدوعاً بأختي.»
استدرت ونظرت إليه.
كان جاثياً على ركبتيه. محطماً. منكسراً. كاد يبكي. وكأن جبالاً على كتفيه تثقل قلبه.
اقتربت منه. قلت بصوت مخنوق:
«أيهم... استمع إلي. لم يبق لي أي سند في هذه الدنيا.»
تجمعت دموعي. أكملت:
«لقد خسرت والديّ. وخسرت جدي منذ أيام. لا أستطيع العودة حتى إلى منزلي... بسبب شيء شهدت عليه. شيء ليس بيدي. لقد أُدخلت رغماً عني في مصائب ومشكلات لا أتحملها.»
«والآن... خُدعت بلطف أختك. أمك كادت أن تقضي عليّ. هناك أشياء غامضة في منزلك. كيف ستـحميني؟ ومن من ستحميني؟ من أمك... أم من أختك التي تترصد لي كي تتخلص مني؟»
نزلت كلماتي الأخيرة كالصاعقة على أذنيه.
«ماذا تقصدين بـ "تتخلص مني"؟»
«نعم يا أيهم. أختك... كانت تحدث والدتك.»
وأخبرته بكل ما سمعته من هديل وأمها.
«ما الذي تقولينه؟ هل أنت متأكدة؟ لقد أخبرني صديق والدي أن الفتاة التي تدعى جيهان قد سافرت... وليست مقتولة.»
وضع يده على رأسه. كاد يصرخ:
«أكاد أجن... لا أصدق ما أسمع. هل أمي قاتلة؟ وهديل... هديل... لماذا لم تخبرني بشيء؟ لماذا تخفي عني؟ هل هي شريكة في كل ما يحدث؟»
«لا... هل أحلم؟ ما الذي يدور في هذا المنزل وأنا كالمغمى عليه لا أعرف شيئاً؟ وهديل... لااا... لا أصدق.»
شعرت بالذنب. ها هو أمامي يتحطم. يكتشف أن الشخص الوحيد في هذا العالم الذي يثق به خانه. أخته. ووالدته. وربما... قاتلة.
«لا... لقد تحطم.»
تمتمت في نفسي: «منذ متى وأنا أصبحت قاسية؟ لماذا لم أبال بمشاعره؟ لقد تسرعت بإخباره بما سمعت.»
مشيت بخطوات مرتبكة. شعرت بالذنب. تكاد دموعي تنهمر. تألمت لآلامه. لا يستحق هذا.
وصلت إليه. جثوت بجانبه.
«أيهم... أنا آسفة. سامحني أرجوك. يا لغبائي... لقد أخبرتك بما حدث. أنا حقاً آسفة.»
لم ينظر إليّ.
شعرت بأني غبية جداً.
بعد دقائق من الصمت، قال بصوت محطم:
«ليس عليكِ أن تعتذري يا هتون. لولاكِ... لكنت بقيت كالمغفل مع عائلة مزيفة ومجرمة.»
لم أتكلم. لم أملك كلمات لهذا الموقف. بقيت صامتة حتى أكمل.
«هل تساعديني يا هتون؟ هل ستبقين معي؟ سأحميكِ ولو كان على حساب روحي. لست الوحيدة التي ليس لديها عائلة. ها أنا أكتشف أني وحيد حقاً.»
اقتربت منه أكثر. وضعت يدي على كتفه.
وقلت بصوت لم أسمعه من قبل:
«سأبقى معك... لنكتشف ما يحدث.»
توقف أيهم ومد لي يده قائلاً:
«هيا يا هتون. لنعد إلى المنزل. نحاول معرفة ما يحدث. علينا أن نعرف من هي تلك "جيهان" أيضاً. سأبحث عن أي دليل يقودنا إلى شيء يفيدنا. لا تتحدثي عن أي شيء. ونتظاهر بأن شيئاً لم يكن.»
أومأت برأسي موافقة لكلامه.
ثم مددت يدي.
وأمسكت بيده.
لأول مرة.
شعرت بالحرج لكن راحة اجتاحت مشاعري. مؤقتاً. في لحظة إمساكه لي.
لكن... ليس وقت مشاعري الآن. سأحتفظ بها...
💕 أيهم – دوامة المشاعر
أقول في نفسي:
كأن هتون وجودها كان من أجل أن تنقذني من الغرق في دوامة الأكاذيب التي كنت مغيباً عنها.
فلسـت أنا من يساعدها وينقذها.
وهي التي احتاجتني لأساعدها من الذئاب الجائعة التي كانت تطاردها..
مازلت أشعر باضطراب عند وجودها.
هل أنا معجب بها؟ أم أحببتها؟ أم أحببت مساعدتها فقط؟
لا... لا. ليس هذا الوقت المناسب.
ما يشغل بالي الحقيقة: هل حقاً فعلتِ ذلك يا أمي؟ هل أنت قاتلة؟
ومن تلك "جيهان"؟
نظرت إلى هتون وسألتها: «هل ذكرتا أية معلومة عن تلك المرأة؟»
........
هتون –
«لا... فقط اسمها.»
ترددت للحظة.
ثم قلت: «هل تعلم يا أيهم؟ والدتي أيضاً اسمها جيهان.»
«حقاً؟» صُدم أيهم.
«نعم.»
«هل تتذكرينها؟»
«نعم. فقدتها وعمري ثلاثة عشر عاماً. أتذكرها جيداً. كانت لديها عينان خضراوان. ونظرات لا تنسى. مازالت عالقة في ذاكرتي كالطلقة.»
صمتت لحظة.
ثم قلت: «أيهم...لا اريد أن أذكرك بأبيك لكن أريد أن أسألك عن تفاصيل مقتل والدك.»
أيهم – ليلة اختفى فيها والدي
قال أيهم بصوت خافت حزين:
«كان يوم ميلاد أمي. كنا ننتظره لنحتفل. كنت أريد أن أعطي تغييراً للبيت... فالكآبة كانت تسيطر على منزلنا. شعرت بحزن هديل الذي ينهش روحها. أردت أن أسعدها. اشتقت لوجود أمي رغم قساوتها.»
«جهزنا عشاء مناسباً لحفلتنا. جلسنا متحلقين حول المائدة. لكن... للأسف، والدي لم يظهر. لم يأتِ.»
«شعور سيئ راودني. بأن مكروهاً قد أصابه. لم أشكك أختي. خفت من حزنها عليه.»
«خرجت لأبحث عنه. حتى في عمله. لم يكن له وجود. أبلغنا عن اختفائه.»
«بعد عدة أيام، ذهبت إلى المخفر. كانوا قد عثروا على ثلاث جثث.»
«يا للمصيبة... حين وجدت والدي بينهم.»
«رغم أنه كان كالغريب بيننا... إلا أن فقدانه كان كالسكين التي غرزت في قلبي.»
.........
هتون...
«أنا آسفة يا أيهم. لا أريد فتح جرح مؤلم. لكن أريد أن أربط بعض الأحداث في رأسي.»
«لا أعرف إن كان ذاك الرجل هو من قتل والدك. ولا أعرف إن كان والدك أحد تلك الجثث الثلاث التي قُتلت أمامي بطلق ناري.»
«و... أبي كان مصاباً بطلق ناري في صدره. هذا سبب وفاته.»
«رصاصة واحدة؟» سأل أيهم.
«نعم. هكذا أذكر.»
قال أيهم: «يمكنني أن أحصل على تقرير بوفاته. لكن لا أريد أن يشعر بي أحد. أنا منذ مقتل والدي وأنا أبحث وأسأل عن أي شيء. لكن دون إخبار هديل بأي شيء.»
«حسناً... أتذكر بوضوح الرجل الأول عندما قُتل. لكن الرجلين الآخرين لم أرَ وجوههم. عندما سألتني هديل لم أجرؤ على التحدث. كنت خائفة.»
«لا ألومك. فأنت في وضع يصعب تحمله.» نظر إليّ بتفهّم. «هل يمكنك وصف القليل مما رأيتيه من الرجال الثلاثة؟»
«نعم. الرجل الأول كان مستلقياً ميتاً بالتأكيد. يرتدي قميصاً أزرق اللون وسترة سوداء. شعره قد أكله الشيب. لم أتبين ملامحه جيداً. لكن أظنه يبلغ من العمر بدايات الخمسين... أو أقل.»
«الرجلين الآخرين كانا يتوسلان جاثيين على ركبتيهما. كانا يرتديان بدلات رسمية سوداء. كأنهم يعملون في شركات خاصة. ما إن استدرت حتى أطلق النار عليهما. لم أرَ وجهيهما بوضوح. لكن أظن لو رأيت صوراً لأي منهما... فسأتذكر. أو أتبين من هو منهم في الصورة.»
«أيهم... هل تسمعني؟»
نظرت إليه.
وجدت عينيه حمراء.
وكأنه يحبس دموعه كي لا تفضح حزنه. لا يريد البكاء. يقاوم.
قال أيهم: بصوت مختنق: «... أظن أن الرجل الأول... والدي.»
«عندما خرج آخر مرة من المنزل، كان يرتدي قميصاً أزرق وسترة سوداء. عند وصولنا إلى المنزل، سأريك صورة له. كي نتأكد.»
أومأت برأسي.
لكن عند ذكره للمنزل، شعرت بغصة تكاد تخنقني.
قلت: «وهديل... كيف سأتصرف معها لو قررت أن تؤذيني؟»
قال أيهم بثقة: «لا تخافي يا هتون. سأحميك. هذا وعد مني. لن أخلفه...
.........
وصلنا إلى المنزل. دخلنا.
استقبلتنا هديل فور دخولنا.
«لماذا تأخرتما؟»
قال أيهم ببرود: «انتظرنا حتى حان دور هتون لتدخل إلى الطبيب.»
«أمم... وهل تشعرين بتحسن؟» سألتني هديل بنبرة باردة.
«نعم... لكنه مازال يؤلمني.»
لا أعرف كيف سأخفي خوفي منها ومن والدتها. لكن عليّ أن أكون قوية. لا يلزمني الضعف الآن.
....
العشاء المرعب
حل الليل.
نادت عليّ هديل: «تعالي نتناول العشاء.»
حضرت المائدة. بعد دقائق من جلوسي، ظهرت والدتهم.
لأول مرة على العشاء.
قالت هديل: «أمي تشعر بالملل كثيراً. . لا تقلقي يا هتون.»
وابتسمت ابتسامة غريبة.
جلسنا. جاء أيهم. تصنع الضحك.
«أمي... كيف حالك؟ اشتقنا لوجودك على العشاء.»
تناولنا العشاء في صمت ثقيل.
استأذنت. دخلت الغرفة.
لا أستطيع النظر إلى والدتهم. لم أنسَ نظراتها الوحشية عندما غرزت الزجاج الحاد في كتفي.
لم أستطع النوم كالعادة.
أشعر بالقلق والخوف.
لو نمت الآن، هل ستدخل هديل لتقتلني؟ . كيف؟ إنها تتحول إلى شخصية أخرى.
مضت ساعات من التفكير.
والظلام يخنق الغرفة.
والبيت يئن تحت وطأة الأسرار
.........