حين تشتد العواصف
فكرة النزهة
سكتنا قليلاً.
ثم أمسكت يدها. كانت باردة، نحيلة، كأنها لم تلمس الدفء منذ سنين.
قلت بابتسامة منهكة، لا تُخفي تعبي لكنها تحاول: «ما رأيك بنزهة صغيرة في البستان؟ نغير الهواء. ننعش قلوبنا المثقلة. نحتسي القهوة كأننا بخير.»
اندهشت هديل. لكن ابتسامة صغيرة تسللت إلى وجهها، كشعاع شمس بعد عاصفة طويلة.
قالت: «نزهة؟ بهذا الجرح؟ بهذا التعب؟»
«نعم... نزهة. قدماي تمشيان، وقلبي يريد أن يرى السماء. هذا يكفي.»
ضحكنا. ضحكة صغيرة، خجلى، كأنها تخاف أن يسمعها أحد.
قالت هديل: «حسناً يا هتون. سأتحدث مع أيهم. سيدعوه ليذهب معنا. ما رأيك؟»
«لا بأس... فليذهب.»
«إذاً سأجهز كل شيء. نزهة جميلة بعد سنين طويلة بائسة.»
نهضت هديل كمن وجد سبباً للحركة. كمن ينتظر أي خيط يخرجها من نفق مظلم.
---
هديل تفضح ما تبقى
لم أعد أحتمل الصمت.
تكلمت هذه المرة. ليس كالسابق حين كنت أختار كلماتي بخوف. لا. تكلمت كمن يلقي جبلًا عن ظهره.
أفرغت كل ما في قلبي. كل ما كان يقتلني منذ كنت طفلة صغيرة لا تفهم لماذا أمها لا تحضنها.
وهتون كانت هناك.
لم تقاطعني. لم تشعُرني بالشفقة. فقط جلست، تنظر إلي كأنها تقول: "أنا هنا. فقط أتكلم."
لأول مرة في حياتي، أحسست بأن أحداً يسمعني. ليس كأخي الذي يحاول أن يحميني، بل كأخت روحية تأتي من العدم لتمسح جرحاً قديماً.
احتضنتني بحنان كأنها تعرفني منذ طفولتي. كأنها كانت تنتظر دورها لتأتي.
ودفء حضنها أيقظ فيني شيئاً ظننته مات: الأمان.
أحببتها بسرعة. أحببتها لأنها لم تخف من آلامي. لأنها رأتني منهكة، فلم تهرب، بل بقيت واستمعت.
قدّمت لي فكرة النزهة. كأنها تقول: "لن نموت اليوم. دعينا نتنفس قليلاً."
تحمست. ركضت لأخي. أردته أن يشاركنا هذه البراءة الصغيرة، هذه المحاولة البسيطة للهروب من عالم ينهار.
دخلت عليه. قلت: «مرحباً أيهم. تعال. سنذهب أنا وهتون في نزهة. أريدك أن تأتي معنا.»
تنهد. كان متعباً. لكنه لم يرفض.
قال: «الآن؟»
«نعم. الآن.»
«حسناً... حسناً. أنا قريب من المنزل. قادم. فقط لا تخرجا قبلي.»
خرجت فرحة كطفلة ترى الحلوى لأول مرة.
---
هتون تحاول الوقوف
بعد أن غادرت هديل، قررت أن أنهض وحدي.
لم أعد أحتمل فكرة أن أكون عالة على أحد. ولا حتى على نفسي.
«عليّ أن أسند نفسي... عليّ أن أكون قوية.»
تمتمت بها كوعد لا أعرف إن كنت سأستطيع الوفاء به.
نهضت ببطء. رأسي يدور كأن العالم يحاول أن يتخلص مني.
الغرفة دارت. الجدران تأرجحت. وقع قدميّ كان كمن يمشي على أرض غير ثابتة.
خطوتُ خطوة.
ثم خطوتين.
وفجأة، شعرت بالأرض تبتعد عني. سقطتُ.
لم ألمس الأرض.
يدان قويتان أمسكتاني قبل السقوط.
أيهم.
كان قد عاد للتو. نظر إلي بعينين غاضبتين، لكن الغضب في عينيه كان خوفاً مقنّعاً.
قال: «ماذا تفعلين؟ كيف تنهضين وحدك؟»
لبستني الحمرة. ليس من الألم، بل من قربه. من يديه على ذراعي. من نظراته التي تخترق جدار الخوف الذي بنيته حولي.
قلت لأخفي احمرار وجهي، ولأضيّع إحراجي: «أنا بخير. أريد أن أمشي وحدي.»
«لا. لا. مازال جسدك ضعيفاً.»
«أيهم... أنا بخير.» حاولت الابتعاد عنه قليلاً. «أنا بخير.»
تأكد أني لن أسقط، ثم ابتعد.
قال بنبرة ساخرة، لكنها لطيفة: «لا تنفعلي. كم أنت عصبية!»
اندهشت من ردّي السريع: «هه! انظروا من يتحدث عن العصبية. ملك الغضب.»
ابتسم. كانت ابتسامة صغيرة، نادرة، كأنها تقول: "أنتِ أول من تجرأ."
قال: «من قال هذا؟ هل أنا غاضب الآن؟»
«لا... لكنك تغضب بسرعة.»
ضحك بصوت خفيف: «لن أجادلك الآن. هيا بنا.»
خرجنا معاً.
---
النزهة الأولى
اتجهنا خلف المنزل، نحو البساتين البعيدة.
كان الهواء بارداً، لكنه نقي كأنما يغسل ما تبقى من كآبة في صدورنا.
تعمقنا بين الأشجار حتى وصلنا إلى شجرة جوز عتيقة.
كأنها عجوز جاثية على ركبتيها منذ سنين، تشهد على أحزان لا حصر لها.
استندت على جذعها. تنفست بعمق.
هديل مدت البساط. رتبت الكؤوس. غلاّية القهوة كانت صغيرة، لكن رائحتها ملأت المكان.
قلت وأنا أبتسم، أحاول أن أكون خفيفة الظل رغم ثقل ما حملته: «حسناً... سأجلس كالأميرات اليوم.»
ابتسمت هديل. حتى أيهم ابتسم.
جلست على البساط بصعوبة، لكني فعلتها.
وبينما هديل توزع القهوة، كانت عينا أيهم تخطفان النظر إليّ بين الحين والآخر.
نظرات سريعة، خجلى، كأنه يكتشف شيئاً جديداً في هذه الفتاة الغريبة التي دخلت بيته فجأة.
أنا أيضاً... كنت أنظر إليه.
أيهم...
شاب ليس كغيره. شعره الأسود كالليل، مسبل على جبينه كغيمة سوداء. بشرته قمحية كالقمح في الصباح الباكر. عيناه واسعتان، عميقتان، تحملان هموم الدنيا كلها.
لم أرَ أحداً يتعب بهذا الجمال.
طويل، عريض المنكبين، جسده متناسق كأن الحياة أرادت أن تشكله بعناية، لكنها نسيت أن تمنحه راحة البال.
تأملته لدقائق. ثم فجأة:
«ماذا بي؟ لماذا أحدق بهذه الطريقة؟ لا... لا. هذا محرج.»
خفضت نظري سريعاً. تظاهرت بأني أرتب كم قميصي.
جاءت هديل لتمسك بيدي، تساعدني للجلوس بينهما.
مد أيهم يده أيضاً.
لكني لم أمسك بها هذه المرة. خفت. خفت أن يشعر بيديّ المرتجفتين. خفت أن يقرأ في أصابعي ما لا أريد أن يقوله لساني بعد.
ابتسمت هديل كأنها فهمت.
جلسنا.
بدأ الحديث بسيطاً، خفيفاً، عن القهوة، عن الأشجار، عن المطر.
ثم بدأت.
بدأت ألقي النكت. أختلق المواقف المضحكة. أحكي لهم قصصاً من وحي خيالي، فقط لأرى ابتسامتهم.
ولأول مرة...
أرى أيهم يضحك. ضحكة صادرة من القلب، تخفي وراءها طفلاً لم يمت بعد.
وأرى هديل تنسى همومها للحظة.
شعرت بأني فعلت شيئاً صحيحاً في هذا العالم المقلوب.
كأنني لم آت إلى هذا البيت هاربة فقط...
بل لأذكّرهم بأن الحياة لا تزال ممكنة.
🍇🍇🍇🍇🍇🍇🍇
أيهم – مشاعر لا وقت لها
جلسنا. ولأول مرة منذ سنوات طويلة، ابتسامة هديل بهية بهذا الشكل.
هتون... كغصن ياسمين يتمايل، تفوح منها رائحة تبعث الحياة في الروح. ها هي تنعش مجالسنا بأحاديثها العذبة، ونكاتها الخفيفة الظل.
لهذه الفتاة سحر ما، يجعلني أسيراً طوعاً. أحاسيس غامضة تتملكني كلما حضرت بيننا.
لكن... لا أوان لهذه المشاعر اليوم.
منذ أيام قليلة، رحل والدي. وأمي تجن جنونها. ثمّة أسرار يجب أن أقف عليها. حقائق كثيرة تنتظر من يكشفها. لأعرف ما الذي كانت عيوننا عنه غافلة.
وهتون... خسرت جدها. وتلوذ بالفرار من رجال لا يعرفون رحمة. قصتها ما زالت غامضة. وأمي تعاملها بجفاء مرعب مرضي.
أشعر كأني في دوامة تعصر رأسي، أو متاهة يضيع فيها كل طريق. صداع لا يفارقني.
ومع هذا، ارتحت هنا. بين الأشجار والبساتين. مع أنه لم يخطر ببالي قط أن آخذ أختي ونصنع معاً لحظة كهذه... كما صنعت هتون.
---
هتون – شعور مبهم
ثمة شيء مريب يحدث.
أحس أن هديل تخبئ سراً عن أخيها.
حكت لي ماضيها الموجع بعبارات مشوشة، كمن يفشي نصف الحقيقة ويخفي نصفها الآخر. جمل ناقصة، وكلمات تتيه بين النطق والصمت.
أبالغ في التفكير؟ ربما.
هديل تبدو لطيفة. لكن البراكين تهدأ قبل أن تفاجئ العالم.
لا... كلا. قلبها أبيض. مشاعرها صافية.
أيهم... مثقل إلى حد الاختناق. كمن يغوص في قاع البحر ولا يرى سطحاً.
أشعر بأن أمراً عظيماً على وشك الحدوث. قلبي ليس في مكانه.
اشتقت إلى جدي كثيراً. إلى صوته الدافئ. إلى حكاياته المسائية التي أنستني الوحدة.
أين أنت الآن يا جدي؟ ليتك هنا. ليتك تجلس معي لحظة واحدة.
---
هديل – ارتياح مؤلم
كم أنا مرتاحة الآن.
لم أبح بعد بأثقل سر في أعماقي. لكن مجرد المشاركة بقليل من همومي... خفف عني شيئاً ثقيلاً ظل سنوات يضغط على صدري.
لكني أخاف. هل يغفر لي أيهم؟
يوماً... ربما.
لكن الآن... أريد فقط أن أشعر بأني على قيد الحياة. لو لفترة قصيرة
.........
عدنا عند الغروب. كنت متعبة جداً. دخلت الغرفة، لم أفكر بشيء. جلست على السرير، استلقيت، ونمت فوراً.
في الصباح التالي، استيقظت. شعرت براحة. ألم كتفي أخف مما كان. حاولت تحريك يدي، لكن الألم ما زال يعاند.
خرجت من الغرفة. خوف يتسلل إلى قلبي: ماذا لو خرجت والدتهم وهجمت عليّ مجدداً؟
ثم... ثار الفضول في نفسي. الطابق الثاني. عليّ أن أعرف ما تخفيه هديل. لم أرَ أيّاً منهم يصعد إلى هناك قط.
قررت الصعود. اكتشاف ما في الأعلى.
صعدت الدرج بخطى وئيدة، أتلفت حولي كالقطة الخائفة. خائفة من والدتهم. خائفة أن يظنوا بي سوءاً.
لكن فضولي كان أعلى من خوفي. وشعوري بأن هديل تخفي شيئاً... وكان أسود.
وصلت إلى نهاية الدرج.
الباب مقفل.
أصابني الإحباط. عدت أدراجي.
فجأة، خرجت في وجهي امرأة لا أعرفها. صرخت بي حين رأتني أنزل:
«من أنت أيتها الفتاة؟ ماذا تفعلين هنا؟ تعالي إليّ!»
ارتجف قلبي. قلت لها بصوت مبحوح: «من أنتِ؟»
ردت عليّ بنفس السؤال. وكأنها صاحبة المنزل.
شعرت بمزيج من الخوف والقلق والحرج معاً.
جاءت هديل مسرعة حين سمعت صوت هذه المرأة.
«أهلاً... أهلاً يا وداد.»
«من هذه يا هديل؟» سألت المرأة بنبرة حادة. «وكأنها كانت في الأعلى. هل هذه جيهان المرأة الحقيرة؟»
صعقت.
اسم أمي.. "جيهان".
«مالذي تقولينه؟ لست جيهان. أنا ابنتها...»
لا... ماذا فعلت؟ كيف ذكرت معلومة عني كهذه؟
وضعت يدي على فمي كرد فعل مفاجئ.
نظرت إليّ هديل متفاجئة أيضاً. قالت مسرعة: «لا يا وداد... هذه صديقتي. جاءت من المدينة لزيارتي. لا أكثر.»
ألتزمت الصمت.
حضر أيهم. رحب بوداد بجفاء.
نادت عليّ هديل.
ذهبت خلفها. دخلنا الغرفة.
قالت: «هذه جارتنا وداد. تأتي أحياناً لتعتني بأمي.»
أومأت برأسي.
ثم سألتها: «لماذا نادتني بجيهان؟ ومن هي جيهان التي قصدتها؟»
نظرت هديل إليّ بنظرة غريبة. مخيفة. تقدمت نحوي حتى التصقت بي.
قالت بصوت هادئ لكنه ثقيل: «هل ذكرتِ أن والدتك اسمها جيهان؟»
«نعم... ذكرت ذلك.»
«اممم... هل لديك صورة لها؟ أو تستطيعين وصفها لي؟»
«هديل... ما بك؟ ابتعدي عني. أمي توفيت منذ زمن بعيد. لا أذكرها حتى.»
ابتعدت عني قليلاً، لكن عينيها ظلتا مثبتتين في وجهي.
سألت: «كيف توفيت والدتك يا هتون؟ هل تعرفين؟»
شعرت أن هديل انقلبت من فتاة لطيفة إلى محقق مخيف.
أجبتها: «توفيت بحادث... هي وأبي. انقلبت بهما السيارة. لقيا حتفهما.»
نظرت إليّ بشك.
وقبل أن تتكلم أو تطرح سؤالاً آخر، ابتعدت عنها. خرجت.
قلبي يكاد يقفز من صدري. وجهي شاحب. جسدي يرتجف.
لقد خفت من طريقتها معي. تحولت بشكل مخيف. تحقق وتتقدم نحوي بهذا الشكل...
قررت: سأخرج من هذا المنزل. سأختفي. سأبحث عن مركز للشرطة. سأبلغ عن كل شيء.
خرجت بسرعة، فصدمت بأيهم.
«آسفة... آسفة. لم أنتبه.»
نظر إليّ باستغراب: «ما بكِ يا هتون؟ لماذا ترتجفين؟ هل حدث شيء؟»
«لا شيء... لا شيء. أريد الذهاب إلى الحديقة. أستنشق هواءً. لا أكثر.»
تركته وذهبت. كنت أتخبط في تفكيري وخوفي.
لحق بي أيهم.
استدرت إليه وأنا منفعلة: «ماذا تريد؟ ابتعد عني.»
رفع يديه علامة استسلام: «قلقت عليكِ فقط. لا أكثر.»
جاءت هديل من خلفه: «لا بأس يا أيهم. لقد انفعلت من وجود وداد عندنا.»
قلت في نفسي: «ماذا؟ لم أخف من وداد... بل خفت منكِ.»
---