الفصل 9
**𝒜𝓂𝒶𝓃𝒾 𝒶𝓁𝒶𝒿𝒶𝓏𝒶𝓇𝒾𝒶**
آمـآنيـﮯ آلجزآئريـﮯهہ
.
.
.
.
.
.
.
.
.
↓
في قاعةٍ شاسعة غارقة في عتمةٍ أزلية، وفي النقيضِ الصارخ لأرض البشر حيث الضياءُ يُغلفُ الخديعة، كان يجلسُ في محرابِ الظلام. هناك، في مملكة "زيفار" العظمى، كان يتوسطُ أريكتَهُ المكسوة بجلدٍ بشريٍّ دافئ، يمارسُ طقوسَ لذهِ الوحشية ببرودٍ يجمّدُ الأنفاس. كان ينهشُ ذراعاً بشرية بياضُها ناصعٌ تحت ظلال العتمة، ويمتصُ رحيقَ أوجاعِها ببطءٍ مستفز، بينما كانت قطراتُ الدماء ترسمُ مساراتٍ منسية على ذقنه الشاحب.
قطع سكون الموت دخول أحد الخدم، الذي انحنى بوقارٍ يرتجف له بدنه، وقال بصوتٍ خفيض:
— سيدي سانتياغو، الملك العظيم يطلب حضورك في الحال.
لم يجب سانتياغو بكلمة؛ بل اكتفى بإلقاء ما تبقى من تلك الذراع المهشمة فوق الأرض بلامبالاة. نهض بشموخٍ يطاولُ مآذن القصر، نفض عن كاهله غبار الخلوة، واتجه بخطىً واثقة نحو الجناح الملكي.
دخل القاعة الكبرى، حيث كان الملك يجلسُ كتمثالٍ من حجر قديم. انحنى سانتياغو بخفة وجلس في المقعد
المقابل له، ليبدأ الحديث عن تطورات الجبهة مع مملكة "أركاديا" المعادية. قال سانتياغو بنبرةٍ هادئة:
— مولاي، جند أركاديا بدأوا بالتحرك صوب الحدود الشمالية، يبدو أن صقيعهم بدأ يمتد نحو أراضينا.
تنهد الملك بعمق، وتاهت عيناه في فراغ الذكريات، وهمس بصوتٍ يملؤه الحنين:
— لو كانت الوريان هنا.. لما تجرأوا. كانت قوتها، ذلك الحاجز العظيم الذي بنته بدمها، هو الحصن الذي لم يجرؤ إنسٌ ولا شيطان على اختراقه. كانت درع زيفار وقلبها النابض.
هنا، تغيرت ملامح سانتياغو؛ ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة، وقال بنبرةٍ تقطر سماً:
— أرجوك يا مولاي، كفَّ عن رثاء من خانت عرقها. تلك الخائنة لم تكن درعاً، بل كانت ثغرةً دمرتنا جميعاً. اختارت أن تلقي بجبروتها في حضن بشريٍّ فانٍ، تركت عرش الأزل لتبحث عن دفءٍ زائف في أجساد الطين. لقد لوثت دماءنا بهروبها اللعين، وما تفعله أركاديا اليوم ليس إلا نتيجة لضعفٍ تسببت فيه ابنتك المدللة.
قفزت الكلمات من بين أنيابه كأنها نِصالٌ مسمومة:
— ألا تزال تُقدس ذكراها يا مولاي؟ إعذرني لم تكن بطلة، بل كانت عاهرة الفناء التي باعت خلودنا مقابل نشوةٍ زائلة مع حشرةٍ بشرية! لقد ارتكبت الخطيئة التي لم يجرؤ أحد على التفكير فيها؛ أن تخلط طهر نارنا بوحل طينهم اللعين. بفعطتها تلك، لم تكسر القوانين فحسب، بل بصقت في وجه تاريخ 'زيفار' بأكمله.
ضرب سانتياغو بيده على حافة الطاولة الملكية، وتابع بصوتٍ هادر يملؤه الحقد:
— انظر إلى حالنا الآن! أعداؤنا في 'أركاديا' ينهشون أطرافنا لأنهم شمّوا رائحة الضعف التي خلفتها وراءها.
تلك الخائنة لم ترحل وحدها، بل أخذت معها حصننا المنيع، تركتنا عراةً أمام أطماع الغزاة لكي تتمرغ هي في أحضان بشرِيٍّ قذر لا يملك من أمره شيئاً. لقد اختارت الموت، واختارت أن تكون جيفةً تبكي عليها الغربان، بدل أن تكون الإلهة التي تسجد لها الممالك!
مال سانتياغو بجسده نحو الملك، وهمس بفحيحٍ شيطاني تقشعر له الأبدان:
— لقد أحلت دمائنا لأعدائنا يا مولاي.. هروبها لم يكن حباً، بل كان خيانةً عظمى تستحق أن تُمحى من سجلات الأزل. لو كان الأمر بيدي، لنبشتُ قبرها المجهول في عالم الطين، وأحرقتُ عظامها حتى لا يبقى من ذكراها أثرٌ يلوثُ هواء زيفار.
رد الملك بهدوءٍ قاتل بعد وقت ، هدوءٌ يشبه الصمت الذي يسبق العواصف المدمرة، ونظر إلى سانتياغو بعينين غائرتين تحملان ثقل القرون، ثم قال بصوتٍ منخفض لكنه اخترق جدران القاعة كطنين الرعد:
— لقد ربيتكَ على يديَّ هاتين، صهرتُ معدنك بلهب الأزل حتى بنيتُ فيك تلك القوة العظمى التي يرتجف لها الخصوم.. لم أفعل ذلك لتستهلك لسانك في قذف الأموات، بل لتكون السيف الذي يحمي حدود زيفار. فكن كذلك، ولا تتجاوز قدرك وحدودك. فلست مستعدا لأتخلص منك ومن لسانك القذر الآن.
صمت الملك لبرهة، ثم تنهدت روحه المحطمة وتابع ببرودٍ غريب:
— لقد رحلت صغيرتي منذ سنوات .. وماتت، وتلطخت ذكراها بديدان الطين في أرضٍ لا تليق بمقامها. لكنَّ السحر الذي غادرنا لم يتبخر في الهواء .. الأزل لا يضيع هباءً. ربما تركت لنا 'وريثاً' يحمل في دمه جمرة قوتها، بذرةً هجينة قد تكون هي مفتاحنا الوحيد لإعادة بناء الحاجز قبل أن تبتلعنا أركاديا.
لمعت عيناه بوميضٍ مفاجئ وأكمل:
— يجب علينا إيجاد ذلك الأثر.. انطلق خلف الحدود، شمَّ رائحة دمي المسكوب في زوايا عالم البشر، فإن وجدنا ذلك الوريث، وجدنا بقاءنا، واستعدنا ما ضاع منا في تلك الليلة اللعينة.
وقف سانتياغو فجأة، وكأن كلمات الملك كانت الشرارة التي فجّرت بركان الحقد الراكد في صدره. انتفض بجسده الممشوق، واشتعلت عيناه بوميضٍ شيطانيٍّ أحمر، بينما اهتزت القاعة بأكملها تحت وطأة هالته الغاضبة. صرخ بصوتٍ تقطرُ منه القسوة:
— إعذرزي ياسيدي عن ماسأقوله لكن، تفتشُ عن وريثٍ لتلك الخطيئة ؟ تُريد استعادةَ نجسٍ وُلد من رحمِ الهوان؟
دنى من الملك، وقد برزت عروقُ عنقه وتشنجت أصابعه كأنها تتحضرُ للفتك، وتابع بفحيحٍ يملؤه الوعيد:
— أعِدُك يا مَلِك زيفار.. إن وطأت قدماي أرض الطين، ووجدتُ ذلك الهجين، فلن أعود بهِ ليرممَ حاجِزاً أو يحمي عرشاً. أعِدُك أنني سأقطعهُ إرباً إرباً، سأفصلُ لحمَهُ البشري القذر عن دمهِ الشيطاني، وأنثرَ أشلاءه لتأكلها كلابُ البرية! لن نُذلَّ أنفسنا بالتوسلِ لقوةٍ ولدت من رحم خيانة، وزيفار لن تعيشَ على فضلاتِ الهُجناء.
ضرب صدره بقوة، وأقسم بلهجةٍ زلزلت أركان القصر:
— سأحمي هذه الأرض بروحي وبناري، وسأبيدُ 'أركاديا' ومن خلفها بحدِّ سيفي، لا بـحاجزٍ تبنيهِ بقايا ابنتك. الأزلُ لنا.. والسيادةُ للأقوياء، لا للملوثين!
ثم استدار بغضب وغادر القاعة بخطواتٍ تتركُ أثراً من نار فوق المرمر، تاركاً الملك خلفه في صمتٍ مريب وهو يعلم يقيناً أن سانتياغو لن يشفي غليله إلا بلإنتقام .