الفصل 9
••𝓣𝓱𝓮 𝔀𝓻𝓲𝓽𝓮𝓻 𝓐𝓻𝓲𝓭𝓳••
꧁꧂
꧁꧂
꧁꧂
غادرت المطعم وهي تشتعل غضبًا كجمرةٍ لم تجد من يحتوي احتراقها. كان صدرها يضيق بأنفاسها، وكأن الهواء نفسه يرفض أن يمنحها السكينة. كم تحقد عليهم…بل كم تكرههم الى حد يتجاوز حدود التصور، حدًّا يتغلغل في أعماقها كسمٍّ بطيء.تلقي عليهم اللوم في انهيار كل ما بنته في حياتها.
سارت على الرصيف بخطواتٍ متسارعة، تشد حقيبتها إليها بقوة، كأنها تبحث عن شيء...أي شيء تصب عليه جام سخطها...ولو كان مجرد تفصيل صغير لا قيمة له. كانت تمشي بلا وعي، كأن قدميها قد انفصلتا عن إرادتها، تقودانها إلى حيث لا تدري، بينما عقلها يغرق في دوامة من الأفكار المتشابكة، والمشاعر المتضاربة التي تعصف بها بلا رحمة.ومن شدة غضبها، لم تعد ترى ما حولها بوضوح. الوجوه صارت ظلالًا، والأصوات مجرد ضجيج بعيد، والمدينة كلها بدت وكأنها تذوب في ضباب كثيف من الغليان الداخلي.
وبعد ربع ساعة من السير العشوائي، توقفت فجأة. كأن شيئًا ما شدّها إلى الأرض. تنهدت بعمق، زفرة طويلة خرجت من أعماق صدرها، محاولة أن تطفئ شيئًا من ذاك الحريق المشتعل داخلها ثم رفعت رأسها نحو السماء.تأملت السماء لوهلة…تلك السماء التي بدت على غير عادتها، هادئة، بغيومٍ بيضاء تنساب ببطءٍ، كأنها لا تعرف شيئًا عن فوضى البشر. حركتها المتأنية بدت وكأنها تسخر من عجلتها، من اضطرابها، من كل ما تعيشه.أعادت بصرها إلى ما أمامها، إلى الشارع، إلى الحياة التي تمضي غير آبهة بما يجري داخلها. ثم رفعت يدها لتنظر إلى ساعة معصمها الفضية...توقفت عقاربها عند الخامسة إلا ربعًا...لا يزال الوقت مبكرًا.
كانت هناك بعض الكراسي الحديدية السوداء المزخرفة، مصطفة على طول الرصيف. تقدمت بضع خطوات، حتى بلغت أول مقعد، وجلست عليه بهدوءٍ ظاهري، يخفي تحت سطحه عاصفةً لا تهدأ.أسندت كوعها إلى طرفه الأيسر، وألقت بخدها على راحة كفها، تاركة رأسها يميل قليلاً، وعيناها تجولان بين المارة والسيارات. كانت تنظر، لكنها لا ترى…تراقب، لكنها لا تعي. وأحيانًا، كانت تشيح ببصرها عن العالم كله، وتثبته على الأرض الإسمنتية المنبسطة أمامها، كأنها تجد في صلابتها انعكاسًا لشيءٍ داخلها.في العادة، كانت تكره مغادرة البيت...الذي كان ملاذها الوحيد...سجنها الذي ألفته فلم تعد ترى فيه وحشة الوحدة والعزلة... لكن الظلمة التي أحاطت بها في ذلك البيت الكئيب، تلك الظلمة التي لم تكن من نوعٍ يُبدده الضوء، دفعتها إلى مغادرته رغمًا عنها.كانت كفرسٍ جامحة، تأبى أن يملي عليها أحد ما تفعل، تأبى القيود، وتأبى الأوامر. لكن مؤيد…على ما يبدو، لم يكن ينوي أن يتركها وشأنها.والأغرب من ذلك كله…أن كنان، حتى هذه اللحظة، لم يحدثها. لا بإساءة، ولا حتى بكلمة عابرة. كان صمته غريبًا، ثقيلاً، يثير الريبة أكثر مما يريح. ومع ذلك…لم يكن وجوده أو غيابه يعني لها شيئًا. كلاهما سواء. كلاهما يثير فيها ذات الشعور...البغض الذي يخنقها يوما بعد يوم.
وبينما كانت تغوص أكثر في أفكارها، غارقة في أعماقها، توقفت عند حافة الرصيف سيارة
Mercedes-Benz C-Class
رياضية رمادية اللون.انخفض زجاج النافذة اليمنى ببطء، كاشفًا عن ملامح صاحبها.بشرة حنطية فاتحة، تحمل دفء الغروب في لونها، شعر بني عسلي تنفلت بعض خصلاته المتمردة على جبينه، تزيد ملامحه حدة وجاذبية. عيناه لوزيتان، يمتزج فيهما البني الفاتح بالأخضر الذهبي(hazel eyes)كأنهما تخبئان سرا لم يحن الوقت للبوح به...تلك الأسرار التي توارت بين اغصان الأشجار وأوراقها... أنفه صغير مستقيم، وحواجبه كثيفة تعطيه حضورًا قويًا.
كان يرتدي تيشرت قصير الأكمام بلون زيتوني، يبرز كتفيه العريضين وصلابة عضلات ذراعيه، بينما تطوق عنقه سلسلة فضية تلمع بخفوت.
أطلق بوق سيارته، صوتًا قصيرًا، كأنه محاولة لانتشال تلك الجالسة من شرودها .وبالفعل، رفعت أماني رأسها. وما إن وقعت عيناها عليه، حتى أشاحت ببصرها فورًا، وكأن رؤيته تزعجها أكثر مما تحتمل. نهضت من المقعد ومضت مبتعدة دون كلمة.
تنهد بعمق، ثم تحرك بسيارته ببطء، يسير بمحاذاتها، حريصًا على ألا يتجاوزها، فهي لم تبتعد كثيرًا.
أمسك المقود بيده اليسرى، ومال قليلًا نحو النافذة، صوته يحمل نبرة تجمع بين اللين والضيق/ھيا تروحي متقعديش وحدك الناس قل ربي خيرھم.
الترجمة/هيا معي الا البيت هذا سيكون افصل من بقائك وحيدة هنا
لم تلتفت إليه. لم تمنحه حتى شرف النظرة. فقط زادت من سرعة خطواتها.
أعاد المحاولة، هذه المرة بنبرةٍ أقل صبرًا، وقد بدأ الضيق يتسلل إلى صوته/يزيك من خشونية الراس.
الترجمة/كفاكِ عنادًا
كان يعلم جيدًا أنها تتربع على عرش العناد، وأن كسر هذا العناد ليس أمرًا يسيرًا. أوقف محرك السيارة، وركنها جانبًا، ثم ترجل مسرعًا، يركض خلفها.
ناداها باسمها/أماني...
كان لاسمها وقعٌ مختلف على لسانه. رغم كل ما بينها وبينه من بغض، لم تسمعه يناديها باسمها منذ عامٍ كامل. سنة كاملة من الصمت… أو ما يشبه الصمت.
توقفت...لكن توقفها لم يكن استسلامًا او فرصة له، بل أشبه بمحاولة هروبٍ مؤجلة، كأنها لم تقرر بعد إن كانت ستبقى أو تفر.توقف هو بجانبها، تردد لوهلة قبل أن يمد يده نحو ذراعها…كان يعلم أنها تكره ان يلمسها بقدر ماتكرهه، لكنه ورغم ذلك أمسك بها، متجاهلًا كل شيء.أدارها نحوه، ونظر في عينيها، وقال بصوتٍ يحمل مزيجًا من الحنين والوجع/واش بيك تبدلتي وان راحت طفلة لي ناس كامل يحبوھا...لي انا حبيتھا.
الترجمة/ما الذي دهاك ؟مالذي غيرك الى هذا الحد؟ أين تلك الفتاة التي أحبها الجميع...التي أحببتها؟
كأن كلماته لمست جرحًا لم يندمل يومًا.انفجرت أماني و صرخت فيه، صوتها يرتجف بغضبٍ حاد، كأن هالة من النار تحيط بها/تحوس على اماني القديمة وان راحت ؟شوف روحك واش درتي.
الترجمة/لا تتعب نفسك بالبحث عن حطام الماضي فأفعالك كانت كفيلة بطمس اخر ذرة من اماني السابقة.
نفضت ذراعها من قبضته بعنف، كأن لمسته كانت عبئًا لا يُحتمل، ثم أضافت بحدة ووعيد/راح ندمك على لي درتيه
الترجمة/سأجعلك تندم على ما فعلت.
استدارت لتكمل طريقها، لكنّه أمسك بذراعها مرة أخرى...اصراره كان حليفه هذه المرة .
التفتت إليه، وعيناها تقدحان شررًا، وصاحت وكأن قنابل الكره تنفجر داخلها/خلاااص منحبش نسمع ومتزيدش تقربلي فھمت.
الترجمة/كفى! لا أريد أن أسمع اي شيء آخر واياك ان تقترب مني مرة اخرى .فهمت ؟!!
تجمّد للحظة... أبعد يده عنها ببطء. تغيرت نبرة صوته، خفتت حدتها، وصارت أقرب إلى الاستسلام...لعل سيوكل مهمة اصلاحها للدهر /ھيا تروحي.
رمقته باشمئزازٍ واضح، وقالت ببرودٍ قاسٍ/نعرف طريق.
الترجمة/أعرف طريق العودة.
وغادرت...مضت دون أن تلتفت، دون أن تمنحه حتى نظرة أخيرة. كانت خطواتها حادة، قاطعة، كأنها تقطع ما تبقى من خيطٍ كان يربطها به.
ظل واقفًا مكانه للحظات كالتمثال، ثم عاد ببطء إلى سيارته. فتح الباب، جلس، وأغلقه خلفه بهدوءٍ ثقيل.
أسند رأسه إلى المقعد، وأغمض عينيه لكن الظلام لم يكن رحيمًا.ففي عتمته، برزت صورة عينيها…تلك العينان البنيتان، اللتان كانتا يومًا ما تلمعان بشيءٍ آخر، بشيءٍ كان يشبه الحياة.أما الآن…فلم يبصر فيهما سوى لمعة كراهية لم يرَ مثلها من قبل.
فتح عينيه ببطء، وكأن الفكرة أثقل من أن تُحتمل...ألهذه الدرجة تمقته ؟!