مطر هتون - الفصل السادس - بقلم moon | روايتك

اسم الرواية: مطر هتون
المؤلف / الكاتب: moon
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل السادس

الفصل السادس

.......... لا أعرف ما هو شعوري. هل أحزن على أبي؟ أم على حال هذه الفتاة المسكينة التي فقدت جدها وتبكي بشدة؟ كيف يمكنني مواساتها، وأنا أحتاج من يواسيني؟ أخذتها أختي ودخلتا إلى الغرفة. أما أنا... غضب يتملكني بشدة. أشعر أن مصيبة كبيرة على وشك أن تنكشف. وأن العديد من الأسرار ستنكشف قريباً. وهتون... هي طرف الخيط. هي من سأكتشف من خلاله كل شيء. ذهبت مسرعاً إلى غرفة والدتي. لم أسأل عن حالها. ولا أذكر أنها سألت عن حالي أو حال أختي منذ زمن بعيد. كنا نعيش في بيت واحد، لكن كغرباء لا يجمعهم إلا الجدران والسقف. فور دخولي، سألتها بحدة: «أمي... أجيبيني الآن. ما الذي تعرفينه عن والدي؟ ما الذي تخفينه؟ أنتِ تعرفين ما الذي حدث له، أليس كذلك؟ أخبريني الآن.» بكل برود، أجابتني: «وما الذي ستفعله لو عرفت؟ هل ستخبر مخفر الشرطة في بلدتنا؟» ثم ضحكت بسخرية. ضحكة باردة، جوفاء، كأنها تخرج من بئر مهجور. «لا تحاول.» عادت تضحك. لكن هذه المرة، ضحكتها كانت هستيرية. كمن فقد صوابه. صرخت بغضب شديد: «أمي! لا تفعلي بي هذا! لم أعد احتمل الغموض في بيتنا! لقد آذيتمونا... أنا وأختي... بشدة! أجيبيني الآن... ما الذي تعرفينه؟!» لم تجب. وقفت مكانها كتمثال. نظرت إليّ بعينين زجاجيتين لا تعكسان شيئاً. ثم استدارت وخرجت من الغرفة، وأغلقت الباب من خلفي. خرجت وحدي. غاضباً••• توجهت إلى غرفة هديل لأطمئن على هتون. طرقت الباب. ردت هديل بصوت خافت: «أدخل يا أيهم.» دخلت. وجدت هتون نائمة. وجهها شاحب، وجفونها منتفخة من البكاء. حتى في نومها، كانت ترتجف كأنها مازالت في برد ذلك الطريق الموحل. وهديل جالسة بجانبها. تمسح على جبينها برفق. تطمئنها... رغم أن أحداً لم يطمئن هديل منذ سنوات. جلست على كرسي مقابلها. لم نتحدث. لم نجد كلمات. فقط رأسي مثقل بهموم لم أطلبها، وقلبي يخاف على الجميع، وغضبي لا يجد منفذاً. ........ جلست أنظر إلى هتون النائمة، وإلى أختي الكئيبة. مصائب اجتمعت في وقت كان يجب أن أكون فيه في الجامعة. أدرس. أعيش شبابي. ماذا حدث لنا؟ هززت رأسي. لا. لا وقت للأسئلة الآن. حان وقت معرفة الحقيقة. سأذهب إلى صديق والدي. أريد أن أعرف عنه أكثر. --- ••• هتون نمت من غير وعي. بعد ساعات، استيقظت. فوجدت هديل نائمة على الكرسي بجانبي. هل كانت جالسة أمامي طوال الوقت؟ تذكرت جدي. حاولت أن أصبر نفسي: جدي رجل مريض. طاعن في السن. أنهكه المرض. لا يجب أن أكون أنانية. لا أتمنى أن يبقى بجانبي وهو يتألم. عليّ أن أكون قوية. حان الوقت لأواجه واقعي الأليم. سأحارب. لأعيش حياة بعيدة عن المشاكل. اعتدلت في جلستي. أحاول أن أقاوم الدموع. وأسيطر على قلبي كي لا يغرق في قاع الأحزان. لكن صوت جدي ما زال في أذني. لا... لا. لا أريد العودة بذاكرتي. سأبكي. نهضت من السرير. «هديل... هديل.» لم تجب. مشيت وأنا أشعر بالدوار. خرجت من الغرفة. ناديت: «أيهم...» لم يجب. وفجأة، سمعت صوت ارتطام شيء من الغرفة على الجانب الأيسر. توجهت نحو الصوت. الليل كان قد أظلم البيت. بحثت عن مصدر للضوء. أشعلت الأنوار. عاد الصوت مرة أخرى. من نفس الغرفة في الجهة اليسرى. مشيت حتى وصلت إليها. طرقت الباب. لم يجب أحد. «من بالداخل؟ هل يمكنني المساعدة؟» لا جواب. عدت أدراجي. لكن فضولي أعادني إلى مصدر الصوت. ببطء. بخوف. فتحت باب الغرفة. امرأة كبيرة في العمر. ارتبكت. شعرت بالخوف والغرابة. هم ليسوا وحدهم هنا. هل هذه والدتهما؟ همست بصوت مسموع: «هل تحتاجين إلى مساعدة؟» كانت جالسة على كرسي مقابل النافذة. صامتة. بلا حراك. وجدت زجاجاً متناثراً حولها. دخلت. «هل آذيتِ نفسك؟ سأبعد الزجاج عنك.» بدأت أجمع الزجاج. وفجأة... أمسكتني من كتفي بيدها. كانت تمسك بقطعة زجاج حادة وكبيرة. كانت تضغط عليها بقوة. والدماء تسيل من بين أصابعها. وهنا بانفعال «لا... لا! أنتِ تؤذين نفسك! أرجوكِ... لا!» وفجأة، دون سابق إنذار، توجهت نحوي. غرزت قطعة الزجاج الحادة في كتفي. وصرخت. صرخت بأعلى صوتي. حتى شعرت أن حنجرتي تحترق. وهي تضغط أكثر. وتصرخ: «سأقتلك! لن أسمح لك بسرقة زوجي مني! سأقتلك... كما قتلت جيهان!» حاولت التخلص منها. جاءت هديل مسرعة. «أمي! ماذا تفعلين؟!» ما إن رأت الدماء حتى صرخت. وحاولت أن تبعد يدي أمها عني. لكنها لم تستطع. دفعت هديل بعيداً عنها... ثم توجهت هديل مسرعة إلى الهاتف. اتصلت بأيهم من هاتف والدتها. «أيهم... عد إلى المنزل بسرعة! أيهم... أمي... جنّت! أرجوك... عد!» دفعتها بكل قوتي عني. حتى وقعت والدة هديل بعيداً عني. جلست هديل على قدميها. تحاول تثبيتها حتى يعود أيهم. جلست عند باب الغرفة. أحاول التقاط أنفاسي. لكن كتفي كان ينزف. بدأ جسدي ينهار. والدماء تسيل بغزارة. لم أقوى على رفع يدي لأضغط على جرحي. بعد دقائق، هدأت والدة هديل. سحبتها هديل إلى الخارج. متجهة إلى غرفتها. --- ••• عاد أيهم. «هديل... ما الذي يحدث؟ أين أمي؟» قالت هديل بصوت متقطع متعب: «هتون... هتون يا أيهم... اذهب إليها. إنها في غرفة أمي.» «هتون؟!» بدأت أنفصل عن الواقع. رأيت أيهم. أم أحلم؟ هل هذا صوته؟ كأنه يأتي من داخل بئر عميق. «هتون... ما الذي حدث؟» حملني. توجه نحو الخارج. أتذكر أنني أمسكت يده بقوة. طلبت منه بصوت متعب: «أحضر طبيباً... إلى هنا. لا أريد أن أخرج لعامة الناس. لا أريد أن يراني أحد.» كأن أيهم تنبه لذلك. عاد بي إلى الداخل. وضعني في غرفة لم أرها من قبل. أحضر منشفة. ضغط على كتفي. اتصل بطبيب. ودعاه مسرعاً. لم أعد أسمع شيئاً. فقدت وعيي. .......... أ أيهم عند دخولي ورؤيتي لهتون تنزف، صعقت. لم أفهم ما الذي حدث. حاولت أن أخفف النزيف. لكن عقلي شلَّ. لم أستوعب. طرق الباب. الطبيب. جاء. أسرعت وفتحت. أدخلته. نظر إلى هتون نظرة استغراب. لا يعرفها. يراها للمرة الأولى. سألني: «كيف حدث هذا؟» لم أجبه. جلس أمامها. كشف كتفها ليرى الجرح. شعرت بالحرج. استدرت باتجاه النافذة. وأنا أسمعها تئن... تبكي... رغم أنها فاقدة الوعي. كأن جسدها يتألم بالنيابة عن روحها. --- مضت نصف ساعة. انتهى. قال الطبيب: «جرحها عميق. لكنه لم يؤذِ الأربطة أو الأوتار. تحتاج إلى الراحة والتغذية... وهذا الدواء. جسدها ضعيف. فقدت الكثير من الدماء.» «حسناً... شكراً لك.» خرجنا من الغرفة. لكنه عاد ليسأل مجدداً: «كيف حدث هذا؟» أجبته بصرامة لم أعهدها في نفسي: «كم تريد؟ اطلب ما تريد. ولا تعد سؤالك هذا... لا هنا ولا في الخارج.» فهم الطبيب. قرأ في عيني أنني لن أسمح لأي شخص أن يعرف ما حدث. قال: «سأعود بعد عدة أيام لأطمئن عليها. إن كانت المريضة تريد أن تتحدث عن هذا...» لحظة توتر كبيرة. نقدته ما طلب من نقود. وذهب. --- عدت إلى الغرفة التي وضعت هتون بها. تأملتها. لأول مرة. عيناها المغمضتان. وجنتاها الشاحبتان. شعرها الطويل الناعم متناثر على الوسادة. رغم الصراع الذي كانت تعاني منه... كانت جميلة. بطريقة مؤلمة. وضعت غطاء عليها كي لا تشعر بالبرد. أمسكت بيديها لأضعها تحت الغطاء. وكأني أمسك قطناً ناعماً بين يدي. ما الذي أفعله؟! تركتها وخرجت مسرعاً. شعرت بالحرج. بالخجل. بالارتباك. هذه ليست اللحظة المناسبة لهذه المشاعر. لكن قلبي... لم يسألني. --- ••• تذكرت والدتي وهديل. ذهبت إليهما. وبدأ التحقيق. سألت هديل: «كيف حدث هذا؟» نظرت إليّ بعينين مرهقتين. ثم قالت: «هتون... كيف هي هتون يا أيهم؟» «بخير. كيف حدث هذا؟!» تنهدت هديل. ثم بدأت: «لا أعرف. سمعت صراخ هتون. خرجت مسرعة. فوجدت أمي ممسكة بها... غارزة الزجاجة في كتفها. حاولت أن أبعدهما. لم يكن سهلاً.» صمتت لحظة. ثم قالت بصوت خافت، كمن يخشى أن تسمعه الجدران: «أيهم... أمي ذكرت شيئاً.» «ماذا؟» «ذكرت أنها ستقتل هتون... كما قتلت جيهان. » توقفت. نظرت إليّ بقلق. «أظن أن هذا الاسم مرَّ بي في ذاكرتي. أتذكر... عندما كنا صغاراً؟» وقفت مضطرباً. كأن الأرض تهتز تحت قدمي. «ماذا؟!» «ظنت هتون أنها امرأة تريد أخذ والدي منها. أيهم... هل أمي حقاً مريضة؟» تنهدت هديل. «علينا أن نعرف ما الذي يحدث. سأحاول مع أمي. لنحل هذا اللغز. أنا أتذكر جيداً... جيهان. هذا الاسم ليس غريباً عليّ.» اقتربت منها بلهفة: «هل أنت متأكدة من قولك هذا؟» «نعم.» جلست على الكرسي المقابل لها. رأسي يغلي. «صديق والدي... ذكر هذا الاسم أيضاً.» «ماذا؟!» انفعلت هديل. «كنت أسأله عن والدي وما الذي يعرفه. قال لي عدة أشياء عادية. ثم ذكر... أنه تزوج منذ عشرين عاماً بامرأة اسمها جيهان. لكنها تركته وسافرت.» صمت طويل. هديل تنظر إليّ بعينين مذهولتين. وأنا... بدأت الخيوط تتصل في رأسي. جيهان. الزوجة الأخرى. أمي المجنونة. الطابق العلوي المغلق. موت أبي الغامض. الجثة في المشغل. كلها خيوط لمتاهة واحدة. وأنا في وسطها. لا أعرف أين أذهب. ولا كيف أخرج. لكنني عرفت شيئاً واحداً في تلك الليلة: إن الحقيقة أصبحت قريبة ... فتحت عيني على سقف لا أعرفه. استرجعت ذاكرتي ثقيلة كالحجارة. كل مشهد مر بي كان سكيناً في جسد منهك. التفت نحو النافذة. السماء مكتظة بالغيوم، رمادية كروح لا تعرف الفرح. الجو كئيب، كئيب مثلي. حاولت النهوض. لكن كتفي كان ناراً مشتعلة تحت الجلد. قاومت. تشبثت بحافة السرير. حاولت مراراً أن أعتدل في جلوسي. وفي كل مرة كانت صرخة مكتومة تخرج من حلقي، كصدى لصرخة أعمق لا أجرؤ على إطلاقها. جلست أخيراً. مرهقة. منهكة. كمن قطعت صحراء بلا ماء. دخلت هديل. خطواتها خفيفة كحفيف ورقة خريف. قالت: «هل أنت بخير؟ سمعت صوتك... كنت قريبة.» وضعت الدواء والماء على الطاولة. أخذتهما بكف مرتجف. جلست مقابل لي. عيناها تحملان أسئلة لا تجرؤ على البوح بها. سألتها: «هل هذه والدتك؟» أجابت بحزن ثقيل، كأن الكلمات تخرج من جرح قديم: «نعم. إنها أمي.» «هل هي مريضة؟» ترددت هديل. صمتت للحظات كمن ترتب حروفاً لا تريد أن تسمعها أذناها. ثم قالت: «أظن ذلك. لم أعهد أمي هكذا. كانت سجينة غرفتها. صامتة كقبر. باردة كشتاء بلا نار. كنا نظنها مكتئبة... لكننا لم نكن نعرف أن الاكتئاب قد يتحول إلى وحش.» «لماذا فعلت هذا بي؟ كنت أحاول مساعدتها.» هزت هديل رأسها. تنهدت تنهيدة طالت أكثر مما ينبغي. «لا أعرف يا هتون. نخرج من مصيبة... لندخل في أخرى. لقد تعبت. يا إلهي كم تعبت. وتعب قلبي قبل جسدي.» سكتت. ثم سألت بنبرة خافتة كالهمس: «هتون... كيف وصلتِ إلى غرفة أمي؟» رويت لها كل شيء. الصوت الذي أيقظني. الظلمة التي ابتلعت الخطوات. الباب الذي فتحته بيد ترتجف. ورويت الهجوم. والزجاج. والدم. والكلمات التي قالتها أمها: «سأقتلك... كما قتلت جيهان.» هديل لم تنطق. كانت ترتعش. كأن الريح تعصف بجذع شجرة يريد السقوط. ثم سألت هتون: «هديل... كيف أصبح جو منزلكم كئيباً بهذا الشكل؟ ما الذي أوصل والدتك إلى هذا الهاوية؟» شعرت بارتباك هديل. فقلت مسرعة: «لا تتكلمي إن كان صعباً عليكِ.» لكن هديل رفعت رأسها. نظرت إليّ بعينين أغرقتهما السنين بالحزن. عينان كانتا جميلتين يوماً... لكن الحياة سحقت جمالهما. قالت بصوت يكاد ينكسر: «سأتحدث يا هتون. لأول مرة... سأخرج ما يقتلني منذ طفولتي.» --- هديل – ندبة الطفولة «رزقت أمي بأخي أيهم. لا أذكر فرحة في عينيها. لا أتذكر قط أنها احتضنته كالأمهات. كانت ترميه في غرفته وتنساه. كان بكاؤه لا يحرك فيها شيئاً. مشاكل. صراعات. كل ليلة كانت ساحة حرب بينها وبين والدي. كانت لا تبالي بنظراتي المتوسلة. ولا بتوسلات أخي الصامتة من وراء الباب. أتذكر... عندما كنت أحمل أخي الصغير بين ذراعيّ، أحاول إسكات نحيبه. أهدهد كي ينام. كي لا تسمعه أمي. كي لا تغضب أكثر.» سكتت هديل. كان صوتها يبحث عن مفر. «كبرتُ. بلغت العاشرة. في إحدى الليالي، اشتعلت الحرب بينهما. امرأة اسمها جيهان دخلت حياتنا. كلمة واحدة هزت أركان بيتنا. أخذت أخي وهرعت إلى حديقة المنزل. غطيت أذنيه. غطيت أذني. لكن صراخ أمي كان يصم السماء. ألقى أبي كلمة غاضبة. صفعت أمي بقوة. فتحت الباب لأرى... نظر إليّ أبي بعينين تشتعلان غضباً. قال: "أتسترقين السمع أيها الجاسوسة؟" صفعني. صفعني بقوة كأني لست ابنته. كأني عدو. دفعني إلى الخارج. والباب انغلق خلفي.» أخذت هديل نفساً مرتجفاً. «مضت السنوات. بلغت العشرين. كان الرجال يأتون ليخطبوني. لكن أبي لم يحضر. وأمي لا تبالي. كل خاطب كان يأتي ويذهب... ولا أحد يكلف نفسه عناء حمايتي. حتى بدأت أرفضهم جميعاً.» نظرت إليّ بعينين بلا دموع. الدموع كانت قد جفت منذ سنوات. «لا أريد أن أعيش صراعات. لا أريد أن أكون قاسية كوالديّ. لا أريد أن أتزوج رجلاً يخون. أو امرأة تجن. لقد جعلوني أعيش في كوابيس منذ كنت طفلة. وكل ما أردته... كان حياة هادئة. وكل ما أعرفه... هو الحزن على أخي. أهملته أمي. تركته يبكي. تركته جائعاً. لم تكن تهرع إليه عندما يبكي. كنت أنا من يفعل كل شيء. وها أنا... مازلت.» --- هديل – عيد الميلاد «جاء يوم ميلادي العشرين. أخي أيهم، ذاك الطفل الذي ربيته بيدي، عاد من المدرسة يحمل قالب حلوة صغيراً. قال لي: "اليوم عيد ميلادك يا أختي. سنحتفل." انتظرنا عودة والدي. دخلت أمي تصرخ. تتهم أبي بالخيانة. تشتمه بصوت لم أكن أظن أن حنجرة إنسان تحتمله. لم أفهم شيئاً. بكيت. وقفت في وجهها. قلت: "أمي... أرجوكِ. اليوم عيد ميلادي. دعينا نؤجل الحرب لحظة. دعين نأكل سوياً. دعين نبتسم ولو لمرة." دفعتني. دفعني بعيداً عنها. قالت: "لا تفكرون بي! لا تفكرون بي! أنتم جميعاً سواء!" ثم صعدت الدرج نحو الطابق الثاني. تركض كمن يهرب من جحيم... أو يبحث عنه. لحق بها أبي من الباب الخلفي. وانفجرت الحرب مجدداً. صراخ. دوي. أنين. أخذت أخي وخرجنا إلى البساتين. هناك... بين الأشجار العارية... انهرت. بكيت كطفلة فقدت أمها. لا أستطيع التوقف. احتضنني أخي. وقال: "لا تخافي يا أختي. سأكبر. سأدرس. سأعمل. وسأعوضك. سنعيش وحدنا. بعيداً عنهم. سأحميك. أعدك."» صمتت هديل. كانت دموعها تسيل بلا صوت. كأن جسدها كان يبكي من دون أن تشعر. «هكذا يا هتون. هكذا نعيش. مشاكل تلد مشاكل. وجروح لا تندمل. وأخي... يحمل مسؤولية هذا البيت كله على ظهره. وهو لم يتجاوز الثالثة والعشرين.» انهارت هديل. خارت قواها. وحدقت في الفراغ كمن رأى الموت بأم عينيه. كانت لأول مرة تخرج كل ما يكتم أنفاسها. كل ما يضغط على صدرها منذ كانت طفلة لا تفهم لماذا أمها وأبيها فعلو كل هذا...؟. ............. رغم الجرح الذي ينام على كتفي، ورغم الألم الذي يتمدد في عظامي كالماء البارد… إلا أن قلبي رقّ لها. هديل. لم تملك كلماتها. لم تملك دموعها. انهارت أمامي كجدار قديم لم يعد يحتمل. احتضنتها. لم أبحث عن كلمات. الكلمات كانت عاجزة هناك، حيث تلتقي أرواح متعبة في غرفة باردة. لقد عانت كثيراً. أتعلمين؟ الحياة لا تختارنا لنرضى. تختارنا لنصبر. تضعنا وسط صعوبات لا نستحقها، ثم تترك لنا جرحاً غائصاً فينا، يؤثر على كل يوم تالٍ. بكت بصوت مرتفع هذه المرة. نشيجها يخرج من أعمق نقطة فيها. بكيت معها. لا خجل. لا تردد. فقط روحان تبكيان تحت سقف واحد. همستُ: «هديل... أنا معك. لن أتركك. عيشي لنفسك الآن. انسي الماضي، أو تجاهليه، أو ادفنيه إن استطعت. لكن لا تبقى أسيرة له.» نظرت إلي بعيون مكسورة، كمرآة تحطمت ثم أعيد تركيبها بطريقة خاطئة. قالت بصوت يكاد لا يسمع: «كيف يا هتون؟ كيف أشعر بأني حية، وجسدي كالجثة؟ كيف أتجاوز وأنا لم أعش أصلًا؟» لم أجب. لأن بعض الأسئلة لا تجيبها الكلمات