سِجِينُ الأَزْلِينْ - الفصل 8 - بقلم Amani Algeria | روايتك

اسم الرواية: سِجِينُ الأَزْلِينْ
المؤلف / الكاتب: Amani Algeria
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل 8

الفصل 8

**𝒜𝓂𝒶𝓃𝒾 𝒶𝓁𝒶𝒿𝒶𝓏𝒶𝓇𝒾𝒶** آمـآنيـﮯ آلجزآئريـﮯ‏‏هہ . . . . . . . . . ↓ مع تباشيرِ الفجرِ الأولى، انسلَّ الضياءُ الفيروزيُّ من خلَلِ النوافذِ الخشبيةِ كلصٍّ رقيقٍ لا يُحسنُ إلا سرقةَ النوم، فداعبَ أجفانَ التوأمتينِ الغارقتينِ في سباتٍ عميق. كانتِ السماءُ في الخارجِ لوحةً تمزجُ بين زرقةِ الأزلِ الدافئةِ وبرتقاليِّ الشفقِ الذي يخطُّ أولى رسائلِ النهارِ بخطٍّ متعجِّل. فتحتْ هايدن عينيها العسليتينِ ببطء، لتجدَ هايزل قد استبقتها بلحظاتٍ وهي تتأملُ رقصَ ذراتِ الغبارِ في ضوءِ الشمسِ الوليد، كأنها تحصي نجومَ عالمٍ مصغَّر. وجدتا والدهما قد هجرَ مضجعَهُ بالفعل، وأعدَّ مائدةً ريفيةً بسيطةً يفوحُ منها دفءُ الخبزِ المحمَّصِ ورائحةُ الحليبِ الطازج. اقتربتِ الفتاتانِ منهُ بخطواتٍ وئيدة، وفي قلبيهما غصَّةٌ لطيفةٌ تنادي بالاعتذارِ عما بدرَ منهما بالأمسِ من شقاقٍ وعناد. طبعتْ هايزل قُبلةً حانيةً فوقَ جبينِهِ المكدود، وتبعتها هايدن باحتضانٍ دافئ، وهما تهمسانِ بصوتٍ رقيقٍ أشبه بنسيمٍ لا يُوقظُ الهدوء: — أعتذرُ يا أبي.. لطالما كنتَ ملاذَنا، ولن نسمحَ لخيالاتِنا أن تُكدِّرَ صفوَ قلبك. تهلَّلَ وجهُ الأبِ ببسمةٍ غسلتْ عناءَ دهورٍ في لحظة، وأومأَ لهما بصمتٍ بالغٍ كأنَّ صفحَهُ كانَ مكتوباً قبلَ نطقِهِما بزمن. وفي غمرةِ ذلك الهدوءِ المُبارَك، قامتْ هايدن بحركةٍ مُفاجِئةٍ لا تُنتَظرُ من مُعتذِرة؛ إذ خطفتْ قطعةً من خبزِ هايزل بحركةٍ خاطفةٍ كحركةِ القطِّ نحوَ الفأر، وركضتْ بخفةٍ حولَ المائدة وهي تُلوِّحُ بها في الهواء. انطلقتْ هايزل خلفَها بصرخاتٍ ضاحكةٍ تملأُ الكوخَ من أوَّلِهِ إلى آخِره: — هايدن! أعيدي خبزتي أيتُها اللصَّة! أقسمُ بأنني سأُخبرُ أباكِ.. أعني أبانا.. لا يهم، أعيديها! — هذا ثمنُ اعتذارِكِ يا هايزل! كانَ يجبُ أن تعتذري بالأمس، أما اليوم فالخبزُ لي! تعالتْ ضحكاتُهُما لتملأَ أرجاءَ الكوخِ الضيِّق بدفءٍ لا تصنعُهُ المَوقِد، بينما كانَ الأبُ يُراقبُهُما بعيونٍ تلمعُ بفخرٍ مكتوم، ودعاءٍ صامتٍ ألا ينطفئَ هذا الهرجُ أبداً، فهُما كلُّ ما يربطُهُ بطينِ الأرض. . . . بعدَ وقتٍ ليسَ بقليل، استعدَّ الأبُ لرحلتِهِ المعتادةِ نحوَ القرية، حاملاً فوقَ كتفيهِ حزمَ الحطبِ التي صفَّها بإتقانٍ يُشبهُ صبرَه. كانتِ الفتاتانِ قد استعدَّتا ليومِهِما الموعود؛ ارتدتا فستانينِ من قماشٍ خشنٍ لكنَّهُ زادَ من جمالِهِما الفطري، وتركتا شعرَهُما ينسدلُ بحريةٍ على ظهورِهِما ثم طوَّقتاهُ بمحارمَ صفراءَ رُبطتْ بفنٍّ يليقُ بأميرتين نسيَتهُما الحكايات، فبدتا كزهرتَي نرجسٍ وسطَ حقلٍ مهجور. أمسكتْ كلٌّ منهما بسلةٍ قشيةٍ محبوكة، وسألهما الأبُ وهو يضعُ قُبَّعتَهُ بالطريقةِ التي يضعُها دائماً، مائلةً قليلاً نحوَ اليمين: — إلى أينَ المسيرُ اليومَ يا أميراتي؟ تبادلتِ الشقيقتانِ نظرةً سريعةً مشحونةً باتفاقٍ مكتومٍ أحكمَتاهُ قبلَ الفجر، وقالتْ هايدن بلسانٍ يقطرُ صدقاً مُزيَّفاً بعنايةٍ فائقة، وعيونٍ تتَّسعُ بأكثرَ مما ينبغي: — سنذهبُ مع صديقتِنا ميلفين لجمعِ أعشابٍ طبيةٍ وأزهارٍ بريةٍ يا أبي، فالسيدةُ مارتا طلبتْ منا بعضَ البابونج. أومأَ الأبُ بارتياحٍ لم يَدُمْ طويلاً في صدرِه، وأوصاهُما كعادتِهِ بعدمِ التأخرِ والبقاءِ بعيداً عن عُمقِ الأشجارِ التي لا ينقشعُ ضبابُها. أومأتِ الفتاتانِ بطاعةٍ تامةٍ تُحسَدُ عليها الملائكة، لكنْ بمجردِ أنْ غابَ طيفُهُ عندَ منعطفِ الطريق، وابتلعَهُ الضبابُ الصباحيُّ ابتلاعَ البحرِ للحجر، انطلقتا بخطىً حثيثةٍ وشغفٍ لا يَعرفُ الانتظار، نحوَ الغابةِ الشرقيةِ المحرَّمة. . . . انطلقتْ هايزل كغزالةٍ بريةٍ تشقُّ عبابَ المروجِ الخضراء، وقد تطايرَ ثوبُها الكتانيُّ خلفَها كجناحِ طائرٍ يُغامرُ في فضاءِ الفجر. كانتْ هايدن تهرولُ خلفَها وهي تلهثُ بضحكاتٍ متقطعة، والرياحُ تُداعبُ خصلاتِ شعرِها الأحمرِ المُتمرِّد. — هاي! انتظري أيتُها الماكرة! منذُ متى وأنتِ تملكينَ هذهِ السيقانَ السريعة؟ التفتتْ هايزل نحوَها بوجهٍ مُشرِقٍ وعينينِ ياقوتيَّتينِ تلمعانِ بمرحٍ لا يُطيقُ الهدوء: — ربَّما هو شوقي لثمارِ التوتِ في الشرق يا هايدن! أسرعي، فالشمسُ لن تنتظرَ كسلَكِ، وطيورُ الغابةِ قد تسبقُنا إلى أشهى الحبَّات! توقَّفتْ هايزل فجأةً عندَ جذعِ بلوطةٍ ضخمةٍ كأنها هنا منذُ بدءِ الخليقة، لتلحقَ بها هايدن وهي تستندُ إلى ركبتيها تستعيدُ أنفاسَها المُتفرِّقة: — التوتُ فقط؟ أتظنِّينَ أنَّنا سنعودُ من هذهِ الرحلةِ بسلةٍ من التوتِ وكفى؟ أسمعيني يا هايزل، لقد أخبرتني السيدةُ مارتا أنَّ الغابةَ الشرقيةَ تُخبِّئُ بينَ ظلالِها أعشاباً طبيةً نادرةً لا تنبتُ في جوارِ منزلِ الكاهنِ أغسطينوس الممل. جذورُ الأزاليا البريةِ هناك تُشفي أعتى أنواعِ الصُّداع، وأوراقُ السيجِ تُضفي على الحساءِ رائحةً تُوقِدُ الشهيةَ من النوم. رفعتْ هايزل حاجبَها الأيمنَ بتشكيكٍ مُزدانٍ بالمرح: — وكيفَ تعرفُ السيدةُ مارتا كلَّ هذا عن الغابةِ الشرقيةِ تحديداً؟ هي التي لم تخطُ خطوةً واحدةً خارجَ القريةِ منذُ عِقدَين؟ — لأنَّها تتحدَّثُ كثيراً يا عزيزتي، ومن يتحدَّثُ كثيراً يُصيبُ بالصُّدفةِ من حينٍ لآخر. ضحكتْ هايزل حتى اهتزَّتْ كتفاها، ثم عدَّلتْ محرمتَها الصفراءَ فوقَ رأسِها وأخذتْ تمشي بأناةٍ وهي تُفتِّشُ بعينيها بينَ الأعشاب: — بالأمسِ عندَ البئر، كانتْ إلين تشتكي من شُحوبِ وجهِها أمامَ كلِّ من أرادَ أن يسمع. لو ظفِرنا ببعضِ زهورِ الخزامى البريةِ اليوم، بِعناها لها بثمنٍ جيدٍ في سوقِ الأحدِ القادم. هكذا نجمعُ ما يكفي لنشتريَ ذلك الحريرَ الذي طالما حلَمتِ به. توقَّفتْ هايدن وهي تقطفُ ورقةً خضراءَ وتشمُّ رائحتَها بتركيزِ عالِمٍ في مختبره: — إلين لا تحتاجُ لأعشاب. هي تحتاجُ لمن يُخبِرُها بلطفٍ أنَّ التواضعَ لا يُشوِّهُ الجمال. لكنَّ فكرةَ الحريرِ تَروقُ لي حقَّاً. تخيَّلي، غداً نعودُ للقريةِ وسلالُنا تفيضُ بالعجائب، فإذا سألَنا أحدٌ قلنا ببرودٍ تامٍّ: تلالُ الشمال. وإن لمحَ أحدٌ ريبةً في عيوننا، أضفنا بثقة: والجنوبُ أيضاً. — الجنوبُ الذي لم تَذهبي إليهِ في حياتِكِ قط؟ — لذلكَ بالضبط هو الكذبةُ المثالية. لا أحدَ يُكذِّبُ ما لا يعرف. ثم أضافتْ هايدن بعدَ صمتٍ قصيرٍ وهي تنظرُ إلى السلةِ الفارغة: — أتعرفينَ ما الذي يُقلقُني فعلاً؟ — ماذا؟ — أنَّ ميلفين قالتْ إنَّها ستنتظرُنا عندَ الصخرةِ الكبيرة. وميلفين لا تنتظرُ أحداً أكثرَ من خمسِ دقائق. بعدَها تُقرِّرُ وحدَها وتتَّهمُنا لاحقاً بالتقصير. — إذن أسرعي بدلاً من أن تُلقي عليَّ محاضراتٍ عن إلين والجنوب! انطلقتا معاً بضحكاتٍ تُقطِّعُها الأنفاسُ المتسارعة، يتجاذبانِ الكلامَ عن جيرانِ القريةِ وأسرارِهِم الصغيرة، وعن حُلُمِهِما بأثوابٍ زاهيةٍ تليقُ بيومٍ لا يأتي، وعن مربَّى هايزل الذي لا يُضاهيهِ مربَّى في القريةِ كلِّها. كانتا تتكلَّمانِ عن كلِّ شيءٍ دافئٍ وبسيط، والضحكاتُ لا تُفارقُ ثغورَهُما. . . . وبينما كانتْ هايزل تمدُّ يدَها لتقطفَ أولَ حبَّةِ توتٍ برِّيٍّ قانيةٍ كالدم، أحسَّتْ ببرودةٍ مفاجئةٍ تسري في المكانِ سريانَ الخوفِ في عروقٍ لا تعرفُ سببَه. صمتٌ مُطبَقٌ خيَّمَ فجأةً على زقزقةِ العصافير، كأنَّ الغابةَ تلقَّتْ إشارةً سريةً بالإنصات. وقفتِ الفتاتانِ بلا حراك. كانَ ثمَّةَ حفيفٌ ثقيلٌ يقتربُ من بينِ الأشجارِ الكثيفة، لا يُشبهُ وقعَ الريحِ ولا خطوَ الغزلان.