حكايتي مع الزمان - الفصل الثامن - بقلم ونس الروح - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: حكايتي مع الزمان
المؤلف / الكاتب: ونس الروح
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الثامن

الفصل الثامن

الحب يصنع منك شخصا اخر لم تتوقعه يوما فيخلق معك شخص يحب الحياة * المشهد الأول: خطوبة سعيدة كان المساء هادئا، والبيت يضج برائحة الاستعداد لليلة استثنائية. في غرفة جميلة، تقف أمام المرآة ترفع شعرها لأعلى، نظراتها متوترة قليلاً... على السرير تجلس هند تتابعها بابتسامة . قالت جميلة مترددة: "حلو كده؟" ردت هند: "زي القمر يا حبيبتي." اقتربت جميلة وجلست بجوارها،  بخوف قالت: "أنا خايفة من رد فعل الولاد..." قالت هند مطمئنة: "دول بيحبوا عاصم جدًا يا جميلة." تنهدت وقالت: "في فرق بين إنهم يحبوه كجار... أو صديق... وإنه يبقى جوز أمهم." ربّتت هند على يدها وقالت: "متقلقيش، اللي بيحب من قلبه بيفرحلك." ثم دق الباب. قالت جميلة: "ادخل." دخل سليم، أنيق بطقمه الكلاسيك، نظر لأمه مبتسمًا: "جهزتي؟" نظرت له باستغراب: "جهزت لإيه؟" ابتسم بخفة: "أونكل عاصم كلمني، وقال إنه هييجي يتكلم معانا في موضوع ارتباطكم." نظرت جميلة لهند بدهشة، فابتسمت هند وقالت: "عاصم محدش بيقدر يتوقعه." ...... في الصالون، كان عاصم يجلس على الكرسي الكبير، بجواره سليم وسيف، و أمامهم أحمد ووالدته. خرجت جميلة من حجرتها تتبعها هند. كانت ترتدي جيب سوداء قصيرة مع بدي أوف وايت، شعرها مرفوع بطريقة أنيقة ذكّرت الجميع بسعاد حسني في "خلي بالك من زوزو". وقف عاصم فور رؤيتها، ابتسم وسلّم عليها، فتلاقت الأيادي في صمت يحمل كل ما عجز اللسان عن قوله. قال أحمد: "اقعدي يا جميلة." وقف سليم: "اتفضلي يا ماما." ابتسمت له، فجلس عاصم وسحب سيف ليجلس على رجله، وأشار لسليم أن يجلس بجواره. قال عاصم مداعبًا: "كنت جاي بورد و شوكولاتة... بس هما خدوهم مني." ضحك الجميع. قال أحمد: "آه، قلبنا يا عم." ثم نظر عاصم إلى جميلة وقال: "الستايل ده في اللبس... مش يتلبس تاني، لو سمحتي." قالت بارتباك: "ليه؟" قال: "هي مش الجيب قصيرة شوية؟" تدخل سليم قائلاً: "الحمد لله، مش لوحدي... أول ما شفتها اعترضت!" نظر له عاصم بدهشة: "وانت سمعتنا إزاي؟ هو انت رامي ودنك هنا؟" ضحك الجميع، فقالت جميلة: "يعني اتفقتوا عليا أنتم الاتنين!" قال عاصم مبتسمًا: "أنا أقدر؟!" سألت هند: "ها، هنعمل الفرح إمتى؟" قالت جميلة بسرعة: "لا طبعًا، مش عايزة فرح." رفع أحمد حاجبه وقال: "إزاي يعني؟! طيب نفرض إنك عملت فرح قبل كده، هو ذنبه إيه؟!" قاطعهم عاصم بهدوء: "أنا معاها في اللي هي عايزاه." نظر أحمد ووالدته لبعض بدهشة. قال أحمد: "نعم يا أخويا؟" رد عاصم بابتسامة هادئة: "يعني هو الفرح والزفة هما اللي يفرحونا؟" قالت هند: "خلاص يا أحمد، براحتهم." قال أحمد: "يعني أجيبلكم  مأذون وخلاص؟!" قال عاصم: "لا، دي حاجة نقررها إحنا الأربعة سوا." نهض أحمد وقال: "طب يلا يا ماما انتي وهند ندخل جوه، وهم يتفقوا ويقولوا لنا." ودخل احمد الحجرة قبل ان يسمع اى تعقيب قال عاصم: "والله أنا ما كنت أقصد أزعله..." قالت الأم بابتسامة طيبة: "حصل خير يا حبيبي... تعالِ يا هند." .... بعد خروجهم، جلس عاصم وهو ينظر لجميلة ثم قال: "أدخل أطيّب خاطره؟" ردت جميلة: "سيبه، شوية و يروق... وانت ما غلطتش أصلاً." قال عاصم: "بس زعلان من نفسي... حسيت إني ضيفته." قال سليم: "محصلش حاجة يا أونكل... المهم بقى، اتكلموا عن موضوع القاهرة!" قالت جميلة بانفعال: "قاهرة إيه؟! أنا هافضل أنقل في ورق ومدارس طول الوقت؟!" رد عاصم بهدوء: "جميلة، إحنا بنتكلم في مصلحة الأولاد، مش بنخطط خروجه." نظرت له وقالت بحدة: "ماشي يا دكتور، اعمل اللي يريحك." ردّ بهدوء أكثر: "اللي يريحنا كلنا يا جميلة... بص يا سليم، خلينا نبدأ نجرب في أجازة نص السنة، نروح القاهرة كنوع من التغيير. لو ارتحت، نبقى ننقل." قال سليم: "تمام! حلوة دي... أكتب للكابتن حالًا." التفت عاصم إلى سيف وقال: "انزل شوف نعمت في العيادة، لو في حالة بلغني." قال سيف بحماس: "طب إيه رأيك تمشي نعمت، وأبقى أنا المساعد بتاعك؟" ضحك عاصم، وركض سيف إلى الخارج. ..... نظرت جميلة إلى عاصم فقال: "ابنك اللي مش يقدر يبعد عن إسكندرية؟! " روحه فيها." سألته بدهشة: "مين دي؟" رد مازحًا: "مش لازم تعرفي... بس الرفض هييجي منه هو، صدقيني." ثم نظر لها مباشرة وقال: "إيه رأيك نكتب الكتاب الأسبوع الجاي... ونقضي أسبوع في دهب مثلًا؟" قالت: "وامتحانات الأولاد؟!" قال: "هي فرصة يغيروا جو قبل الامتحانات." قالت باندهاش: "نغير جو؟ يعني هناخدهم معانا؟" قال مبتسمًا: "هو انتي متخيلة آخدك و أسافر... وأسيب ولادي؟!" نظرت له... وابتسمت أخيرًا. المشهد الثاني حياة جديدة كانت الأضواء خافتة في حجرة نوم أحمد. جلس على حافة السرير، وإلى جواره هند تتابع ملامحه الغاضبة بهدوء. قال وهو يلوّح بيده: "يعني إيه هيسافر... وياخد الولاد معاه؟! هو فاكرها شهر عسل ولا مصيف؟!" ابتسمت هند  وقالت: "هو بس عايز يكسبهم لصفه... يحسسهم إنهم أولويته، مش عبء." هز رأسه وقال بنبرة ضيق: "ما هو كسَبهم خلاص... حد فينا يقدر يقول كلمه على عاصم قدمهم؟ ده حتى سليم اللى كان باين انه مش هيتقبل الوضع ....بقى كل حاجة اونكل اونكل!" ردت هند بابتسامة دافئة: "ربنا يسعد جميلة بيه يا أحمد... يمكن ده يكون العوض اللي تستحقه." تنهّد أحمد وقال وهو يطالع الأرض: "يارب... هو أنا أكره؟" ...... في صباح اليوم التالي، كانت جميلة تجلس بجوار عاصم داخل مكتب مديرة مدرسة سليم. قالت المديرة وهي تبتسم بفخر: "اللهم بارك، سليم بقى ممتاز. محبوب من زمايله، وخلوق." قالت جميلة، وقد علت وجهها ابتسامة رضا واعتزاز: "أنا قلت لحضرتك من البداية... ده ابني وتربيتي. هو بس كان نفسيًا مش متظبط شوية." أومأ عاصم، ثم قال بلطف: "إحنا جايين نطلب إذن حضرتك... إن الأولاد ياخدوا أجازة الأسبوع الجاي." رفعت المديرة حاجبها بدهشة: "ده أسبوع مراجعات، يا دكتور. هيستفيدوا كتير جدًا خصوصًا إن الامتحانات قربت، فاضل أقل من ٣ أسابيع." قال عاصم بابتسامة مطمئنة: "أنا بوعد حضرتك إنهم هيرجعوا مستواهم زي ما هو، بل يمكن أحسن كمان... وكأن مافيش حاجة فاتتهم." ابتسمت المديرة بثقة وقالت: "وأنا واثقة جدًا في حضرتك... وكمان واثقة في جميلة، أم مثالية بكل المقاييس." المشهد الثالث عقد وجع في مساء دافئ من ليالي الشتاء، ارتدت جميلة فستانا أوف وايت طويلاً بسيط، ينسدل على جسدها برقة، ووضعت لمسات خفيفة من المكياج، لتبرز جمالها الطبيعي الذي زاد إشراقاً تلك الليلة. في غرفة المعيشة، جلس عاصم بجوار المأذون، وعن يمينه أحمد وصديقه، بينما جلس سليم وسيف على الناحية الأخرى، ويسر تجلس بجوار سليم على أحد كراسي السفرة. خرجت جميلة من حجرتها، تتبعها والدتها وهند. نهض عاصم بمجرد أن رآها، ابتسم ابتسامة العاشق... اتجه نحوها، أمسك يدها بلطف وقال: "مبروك يا روحي." ردت بخجل وهي تخفض عينيها: "الله يبارك فيك." قادها عاصم بخفة نحو المأذون، وتم عقد القران. وبعد انتهاء الإجراءات ومغادرة المأذون والشهود، التفت عاصم للحضور قائلاً: "أنا عازمكم على عشا صغير كده." نظرت له جميلة باستنكار لطيف، و همست: "عشا إيه؟ مش كنا متفقين؟" ابتسم وقال بثقة: "أنا كتبت حبيبتي النهاردة... يعني دلع قبل كده كله تنسى. دلوقتي... كلامي هو اللي يمشي." ضحك الجميع، بينما أحمر وجه جميلة خجلاً. قالت: "عاصم، متهزرش بجد." قال ضاحكاً: "ده عشا لحد ما ميعاد طيارة يجي." تدخلت والدتها: "أنا مش هقدر أنزل والله، رجلي مش هتشيلني." فرد عاصم: "لا، لازم كلنا ننزل. وبصراحة... أنا كمان متفق مع فوتوغرافي يصورنا هناك." قالت جميلة بدهشة: "عاصم كمان! أنا قلتلك مش عايزة أعمل حاجة!" رد بهدوء وهو يقترب منها: "ووافقت يا قلبي، بس دي حاجات بسيطة... لينا احنا." ...... في جناح صغير بأحد الفنادق، جلست جميلة أمام مرآة التسريحة، تعدل شعرها، بينما وقف عاصم عند باب الغرفة ينظر إليها وكأنه يراها لأول مرة. التفتت إليه قائلة بابتسامة: "واقف كده ليه؟" قال وهو يقترب منها بخطوات بطيئة: "مش مصدق إننا تقفل علينا باب واحد... أخيرًا." أخذ المشط من يدها وقال برقة: "بعد كده، سيبني أنا اعمل كل حاجة." ضحكت وقالت: "تعود على الدلع و أتعبك." رد وهو يضحك: "أنا من يوم ما حبيتك وأنا تعبان بيك... هيحصل إيه يعني لما أتعب لك؟" دق الباب، فقال عاصم وهو يتجه نحوه: "أكيد العشاء جه." قالت: "عشا تاني؟ إحنا مش لسه و اكلين قبل السفر!" رد بمزح: "أنا هفضل آكل فيك لحد ما تبقي بطوطة." فتح الباب، فوجد رجلاً غريب الوجه يقف بثبات. قال عاصم مستغرباً: "حضرتك عايز مين؟" رد الرجل بحدة: "جاي أبارك للمدام." تغيرت ملامح عاصم: "نعم؟... مين حضرتك؟" قال الرجل دون تردد: "أبو ولادها." من داخل الغرفة، سمعت جميلة الصوت، فاتجهت بسرعة نحو الباب. نظرت إلى الرجل وقالت بدهشة: "أسامة؟ في إيه؟" رد بعصبية: "في إني لما حضرتك تقرري تتجوزي، يبقى تبلغيني!" قال عاصم بمحاولة تهدئة: "لو سمحت، اتكلم بهدوء." لكن أسامة انفجر: "وانت تعرفني أتكلم إزاي؟ فين الولاد؟" قالت جميلة بعصبية: "الولاد ليه؟ عايز منهم إيه؟" صرخ: "دول ولادي! من حقي أخذهم لما أمهم تتجوز واحد غريب!" ردت جميلة وهي تصرخ: "إنت بتقول إيه؟!" بدأ أسامة ينادي بصوت عالٍ: "سليم! سيف! سليم!" خرج الولدان من الغرفة المجاورة، جرى سيف نحو أسامة صارخاً: "بابي!" احتضنه أسامة ثم قال بحزم: "هاتوا شنطكم." رد سليم وقد امتلأت عيناه بالغضب: "إيه اللي هاتوا شنطكم؟!" قال أسامة بنظرة لوم: "كنت فاكر إنك كبير وعاقل، بس للأسف... إنت موافق على المهزلة دي؟" تدخلت جميلة: "فين المهزلة لما اتجوز؟!" رد بأسلوب جارح: "إنتِ مش مكسوفة؟ بعد عدتك ما تخلص على طول... جري تتجوزي؟ ده حتى لو ماشية معاه، مكانش يحصل بالشكل ده!" صرخ عاصم: "حاسب على كلامك! جميلة أشرف من الشرف، وانت عارف داه كويس أوي!" رد أسامة بسخرية: "خليها ليك... يلا يا ولاد." قال سليم بتردد: "بس إحنا..." قاطعه أسامة: "قلت يلا!" شد الولدين من أيديهم، حاولت جميلة التمسك بهم، لكنهم انسحبوا من يدها... وانهارت على الأرض تبكي، وهي تصرخ: "خد ولادي... خدهم مني..." عقد وجع... مش كل العقود فرح.