النهار
جلستِ على السرير في صمت، عيناك ما زالتا معلّقتين بالصندوق القديم الموضوع على الطاولة. كان شكله بسيطًا، لكنه يحمل داخله ذكريات ثقيلة وأفكارًا متشابكة لا تزال عالقة في عقلك رغم كل ما قيل.
في السابق، كان مجرد النظر إليه يثير داخلك خوفًا غامضًا، إحساسًا بأن هناك شيئًا غير مفهوم يراقبك أو يؤثر عليك. لكن الآن… كان الشعور مختلفًا. لم يعد الخوف يسيطر عليك بالكامل، لكنه لم يختفِ تمامًا. كان أشبه بظلّ بعيد، يتلاشى ببطء مع كل لحظة هدوء تمر عليك.
صديقتك جلست بجانبك بهدوء، تنظر إليك باهتمام وقلق خفيف، ثم قالت بصوت منخفض: "حاسّة بإيه دلوقتي؟"
سكتِ قليلًا قبل أن تجيبي: "مش عارفة… حاسّة إني كنت جوه حاجة كبيرة… وأنا مش فاهمة منها غير أجزاء صغيرة."
تنهدت صديقتك وقالت: "اللي حصل كان أكبر من إنه يكون حاجة غامضة أو مخيفة زي ما عقلك صورها لك. كان ضغط نفسي وإرهاق شديد، ومعاه تجربة قديمة اتعملت في بيئة شغل كانت بتأثر على الناس اللي تحت ضغط."
نظرتِ إليها بصمت، وكأنك تحاولين ربط الكلمات بما شعرتِ به طوال الفترة الماضية.
"يعني… أنا ما كنتش بشوف حاجات حقيقية؟"
هزّت رأسها بهدوء: "اللي كنتِ بتشوفيه أو تحسيه كان انعكاس لتعبك وخوفك. لما الإنسان بيكون مرهق جدًا، عقله بيبدأ يخلط بين الواقع والإحساس، ويكبر أي فكرة بسيطة."
سكتِ طويلًا.
كان في داخلك جزء يريد أن يرفض هذا التفسير، لأن التجربة كانت قوية جدًا لدرجة بدت حقيقية أكثر من الواقع نفسه. لكن في نفس الوقت، كان هناك جزء آخر منك يشعر براحة غريبة… كأن الحمل الثقيل بدأ يخف.
نظرتِ إلى الصندوق مرة أخرى.
"طب وليه الصندوق ده لسه موجود؟"
قالت صديقتك: "ده مجرد أداة قديمة من شغل كنتِ قريبة منه. لما خرجتي من الضغط، اتساب عندك بالغلط. مفيش فيه أي خطر حقيقي."
اقتربتِ منه ببطء، ومددتِ يدك… ثم توقفتِ لحظة.
كان عقلك يتذكر كل الإحساسات السابقة: الخوف، التوتر، الأصوات الداخلية، اللحظات اللي كنتِ فيها غير قادرة على التفريق بين الحقيقة والتخيل.
لكن هذه المرة… لم يحدث شيء.
لم يظهر خوف مفاجئ، لم تتسارع دقات قلبك كما قبل.
لمستي الصندوق أخيرًا وفتحتيه.
كان بداخله أوراق قديمة، جهاز صغير، وسماعة، وبعض الملاحظات المكتوبة بخط رسمي.
قرأتي جملة واحدة فقط: "التعرض المستمر للإجهاد النفسي قد يؤدي إلى تشوه مؤقت في الإدراك الحسي."
توقفتِ عندها.
لم تكن الجملة مخيفة، لكنها كانت واضحة… وبسيطة أكثر مما توقعتِ.
أغلقتِ الصندوق ببطء.
وفي تلك اللحظة، شعرتِ بشيء غريب… ليس خوفًا، بل فهم.
فهم أنك لم تكوني في مواجهة شيء خارق أو مجهول، بل كنتِ في مواجهة نفسك… عندما تتعب.
جلستِ مرة أخرى على السرير، وأخذتِ نفسًا عميقًا.
"أنا كنت فاكرة إني ضعيفة…"
قالت صديقتك بسرعة: "مش ضعيفة. كنتِ مرهقة."
ابتسمتِ ابتسامة خفيفة لأول مرة منذ فترة طويلة.
"في فرق؟"
أجابت: "فرق كبير. الضعف يعني إنك ما تقدريش. لكن الإرهاق يعني إنك محتاجة توقفي بس."
مرّت أيام بعد ذلك.
بدأتِ تخرجين أكثر، تتكلمين أكثر، وتستعيدين تفاصيل حياتك الصغيرة.
أصبح الصباح لا يحمل ثقلًا كما قبل، ولم تعدي تستيقظين وأنتِ تشعرين أن هناك شيئًا يضغط على صدرك بدون سبب.
حتى الأفكار المزعجة بدأت تقل تدريجيًا.
كان الأمر ليس سحرًا، ولا تغييرًا مفاجئًا… بل عودة بطيئة إلى نفسك.
في أحد الأيام، خرجتِ مع صديقتك إلى الشارع.
كان الجو هادئًا، والسماء صافية بشكل مريح.
قالت لكِ صديقتك: "حاسّة إنك بقيتي أحسن."
نظرتِ إلى الطريق أمامك: "مش بس أحسن… أنا بقيت أفهم نفسي أكتر."
سكتِ لحظة ثم أضفتِ: "قبل كده، كنت فاكرة إن أي حاجة غريبة بتحصل لي معناها إن في حاجة غلط في العالم… دلوقتي فهمت إن ممكن تكون من جوه الإنسان نفسه."
ابتسمت صديقتك: "وده أهم درس."
في المساء، عدتِ إلى غرفتك.
جلستِ أمام الطاولة، ونظرتِ إلى الصندوق مرة أخرى.
هذه المرة، لم يكن له أي تأثير عليك.
كان مجرد شيء قديم، جزء من تجربة انتهت.
فتحتِ الدرج، ووضعتِه داخله.
أغلقتِ الدرج بهدوء.
ثم وقفتِ أمام المرآة.
نظرتِ إلى نفسك طويلًا.
"أنا اتغيرت…"
لم يكن تغييرًا خارجيًا واضحًا، لكنك كنتِ تشعرين به بعمق.
لم تعودي تخافين من صمتك، ولا من أفكارك.
لم تعودي تظنين أن كل شعور غريب هو خطر.
بل أصبح لديكِ فهم جديد:
أن العقل عندما يتعب… يطلب المساعدة بطريقته.
قبل النوم، جلستِ على السرير مرة أخيرة.
لم يكن هناك أي توتر.
لا أصوات، لا صور غريبة، لا خوف.
فقط هدوء.
أغمضتِ عينيك، وتنفسك كان منتظمًا.
وفي تلك اللحظة، مرّ في ذهنك آخر سؤال:
"هل ما حدث كان حقيقيًا؟"
لكن هذه المرة، لم تبحثي عن إجابة معقدة.
ابتسمتِ في داخلك وقلتِ لنفسك:
"الحقيقي هو إني بقيت أفضل."
ثم نمتِ.
وبعمق.
وبسلام.