الفصل السادس
صعدت جميلة إلى شقتها لتُفاجأ بسليم يحمل حقيبته، فيما يحاول سيف ويسر منعه من الخروج. وقفت الأم مذهولة وهي تسأل جميلة بقلق:
ــ إيه اللي حصل يا بنتي؟ هو عايز يمشي ليه؟
اقتربت جميلة من ابنها بخوف، تمسك به وكأنها تتشبث بطوق نجاة:
ــ هتمشي؟ تروح فين؟
ردّ سليم بعصبية وهو يتفادى نظراتها:
ــ مالكيش دعوة، أعمل اللي أنا عايزه. مش أنا طول عمري تعبك؟ أهو هريحك!
انهارت جميلة بالبكاء، تحاول أن تستوعب ما تسمعه، وقالت بصوت مرتجف:
ــ إيه اللي بتقوله ده يا سليم؟ اسمعني، لازم نتكلم... هتفهم كل حاجة.
ردّ ببرود جارح:
ــ مش عايز أفهم. ومش عايز أشوفك تاني في حياتي.
أبعد يد سيف ويسر عنه وانصرف مسرعًا، وانهارت جميلة في حضن يسر، تبكي بلا توقف.
قالت الأم بصوت مكلوم:
ــ طمنيني يا جميلة، إيه اللي حصل؟
نظرت لها جميلة بحزن:
ــ مش وقته يا ماما... أنا هنزل لعاصم، يمكن يلحقه قبل ما يوصل لأبوه.
نزلت بسرعة نحو شقة عاصم وطرقت الباب، فتح لها وعلى وجهه علامات القلق:
ــ خير يا جميلة؟
قالت وهي تبكي وتتوسل:
ــ ممكن تلحق لي سليم؟ ترجعوا لي..... ارجوك؟
قال بحزم وهدوء:
ــ ممكن... بس من غير دموع.
قالت متوترة:
ــ أنا خايفة يروح عند أبوه.
سألها فجأة:
ــ يسر عندكم؟
نظرت له متعجبة وقالت:
ــ دَه وقت السؤال ده؟
ابتسم عاصم قائلاً:
ــ أكيد رايح لخاله... بس عشان لو روحت ومش لاقيته، أبقى عارف أتصرف..... كنت بوصل يسر مثلا.
قالت:
ــ صح... خدها معاك.
*ما أجمل أن تجد من تلجأ إليه حين تضيق بك الحياة، من يكون عقلًا يحتضن ارتباكك وقلبًا يرمم كسرك. عاصم لم يكن مجرد طبيب، بل كان كتفًا استندت عليه جميلة دون أن تدري.
في السيارة، جلست يسر بجواره وقالت بقلق:
ــ هو مش بيرد على تليفوني... أنا خايفة عليه قوي يا أونكل.
قال لها:
ـ جربي تكلميه تاني... بس ما تقوليش إن أنا معاك.
هزّت رأسها، وطلبت الرقم، وبعد لحظات ردّ سليم.
ــ ألو؟
ــ إزيك يا سليم؟ كويس؟
ــ معلش على طريقتي معاك، يسر.
ــ ولا يهمك... انت فين؟
المشهد الثانى
في بيت أحمد
كان سليم جالسًا على الأنتريه بجوار خاله أحمد، قال له الأخير بهدوء:
ــ غيرتك على أمك مطلوبة يا حبيبي، بس هي كبيرة وبتفهم. مش لازم تزعل منها...
ردّ سليم بعصبية:
ــ بس هي لو اتجوزت، يبقى بتقفل باب الرجوع لأبويا.
قال أحمد:
ــ ومن قال لك إنها أصلاً ناوية ترجع له؟ حياتهم مكانتش مستقرة، وهي ضحت عشانكم كتير.
رن جرس الباب، وذهب أحمد ليفتح، فوجد عاصم ويسر على الباب.
ــ اتفضلوا.
دخلت يسر، وتبعها عاصم. وما إن رأى سليم عاصم حتى وقف غاضباً:
ــ خالي، هو أنت اللي قلت له إني هنا؟
رد أحمد: ــ "والله ما قلت له حاجة."
تقدّم عاصم وقال لأحمد: ــ "معلش... ممكن أكلمه لوحدنا شوية؟"
أشاح سليم وجهه وقال بعصبية: ــ "مش عايز أتكلم مع حد."
رد عاصم بصوت حازم: ــ "مش بمزاجك... تسمعني غصب عنك."
دخل أحمد مع يسر إلى الغرفة الأخرى، وجلس عاصم أمام سليم.
قال بهدوء: ــ "اقعد يا سليم."
جلس سليم، لكن الغضب ما زال يشتعل في ملامحه: ــ "كنت بحبك يا أونكل... خسارة."
ابتسم عاصم بحزن: ــ "وأنا لسه بحبك... وحبي لمامتك مالوش دعوة بحبي ليك."
قال سليم: ــ "والمفروض أصدق الكلام ده؟"
قال عاصم بثقة: ــ "افتكر يا سليم... عشر أيام عيشتهم معاكم كانوا من أسعد أيامي، حتى لما كنت بتكلّم أمك، ما قلتش لها إنك جنبي... لو كنت بقرب منك عشناها، كنت هقولها."
ظل سليم صامتاً، يحاول أن لا يظهر تأثره.
أكمل عاصم: ــ "أنا عارف إنك بتغير عليها... وده طبيعي. حتى لو كانت لسه مع أبوك و شوفتها فى حضنه، كنت تغيير برضه. بس صدقني... انا مش جاي أخذها منك، أنا جاي أكون معاها و معكم."
تنهد ثم قال: ــ "أنا كمان عشت التجربة دي... لما أمي و أبويّا اطلقوا، سافرت مع أبويا سبتها... و ندمت. يمكن لو كان في حياتها وقتها حد يطبطب، كانت كملت."
سكت لحظة ثم قال: ــ "عارف شعورك تجاه يسر؟ أنا كده تجاه جميلة... بس ماكانش لينا نصيب وقتها. ولو كنت في مكاني، كنت تسيب اللي بتحبه؟"
سكت سليم، ثم قال: ــ "أول مرة تحاول تشرح لي وما فهمكش..."
ابتسم عاصم وقال: ــ "يمكن عشان المرة دي لازم أنت اللي تفهمني... أنا راجع مش علشان أجرح، لكن علشان أداوي."
هز راسه، ثم قال: ــ "ممكن أروح أقعد مع بابا شوية؟ ولما أقدر أتعامل... هرجع."
وضع عاصم يده على كتفه، وقال: ــ "ترضى إن مامتك تعتبرني أنا السبب في ضياعك؟ فوق كده... أبوك مش في القاهرة، و بطولتك قربت، و امتحاناتك كمان."
ضرب سليم جبهته: ــ "يا خبر... نسيت البطولة خالص!"
ثم قال سليم بهدوء: ــ "ابلغ الكابتن بالاعتذار؟"
قال عاصم: ــ "كده هيشوفك مش قد المسؤولية ...وتفقد ثقته."
لازم تشارك فى البطولة حتى لو انهزمت ــ تبقى حاولت... وعملت اللي عليك."
ثم وقف وقال: ــ "أنادي خالك؟"
ابتسم سليم، احتضنه بعفوية، وكأنه أخيرًا وجد من يفهمه دون أن يتكلم.
*ما أجمل أن تجد من يفهم صمتك، يقرأ خوفك، ويعيدك لحضن الحياة وأنت على وشك الانهيار. بعض الأشخاص لا يظهرون ليكونوا عبورًا... بل يكونوا نجاة.
المشهد الثالث
"رجوع الروح"
رن جرس الباب في بيت جميلة. كانت جالسة على انتريه، تحضن سيف بحنان، وعيناها لا تفارقنا الباب كأنها تنتظره ينبض بحياة.
وما إن سمعت صوت الجرس، حتى أبعدت سيف عن صدرها، وركضت لتفتح الباب.
فإذا بها أمام سليم... وخلفه عاصم.
ركضت إليه، وضمت جسده الصغير بقوة، كأنها تحاول أن تعيد فيه النبض الذي توقف في قلبها لحظة غيابه.
همست وهي تحتضنه: ــ "كده توجع قلب أمك عليك يا سليم؟"
ومن الداخل، جاء صوت الجدة بنبرة دافئة: ــ "تعال يا واد يا سليم..."
دخل سليم يحضن جدته، ولحقه سيف سريعًا، يملأه الشوق.
أما جميلة، فوقفت على الباب، تنظر ل عاصم، وعيناها تقولان أكثر مما تسمح به الكلمات.
قالت ببساطة: ــ "شكرًا..."
أجابها بصوته الهادئ: ــ "العفو... عن اذنك."
استوقفت خطوته بسؤال هامس: ــ "على فين؟"
رد بابتسامة دافئة: ــ "موجود يا جميلة... خدي بالك انتي بس من الولاد."
انصرف بهدوئه المعتاد، أغلقت الباب خلفه، وعادت إلى الداخل.
نظر إليها سليم وقال بخفوت: ــ "أنا هدخل أنام."
دلف إلى غرفته، فتوجهت الجدة لسيف: ــ "ادخل لأخوك يا سيف."
غاب الطفلان خلف باب الغرفة، وجلست جميلة بجوار والدتها.
قالت الأم بصوتها الحنون: ــ "عاصم مش دخل ليه؟"
ردت جميلة، النبرة في صوتها متعبة أكثر من الكلمات نفسها: ــ "كل ما أفتح معاه صفحة، الدنيا تقلب... كأن أي محاولة للقرب بتفتح وجع جديد."
قالت الأم وهي تشير برأسها: ــ "كلميه يا حبيبتي... كتر خيره رجع لك ابنك."
ضحكت جميلة بهدوء وقالت: ــ "تصدقي... أنا مش معايا رقمه!"
ثم وضعت رأسها على صدر أمها، كما كانت تفعل حين كانت طفلة، وقالت انكسار: ــ "تعبت يا أمي... رغم إنه بيعمل كل حاجة عشان يسعدني، بس أنا مش عارفة أفرح."
عاصم خلف باب شقة جميلة يقف يتذكر احتضان جميلة لابنها
لم تكن كلمات الشكر ما ينتظره عاصم، ولا دموع جميلة تعبّر عن امتنانها. كل ما كانت تحتاجه في تلك اللحظة هو أن تحتضن سليم بقوة، وكأنها تعيد تثبيت جزء مفقود من روحها.
… لم يكن بطلاً يبحث عن شكر، بل إنساناً يعرف قيمة العائلة، و يقدّر وجع الأم حين تحرم من ابنها.
ربما وجد نفسه في سليم عندما تشبث بجميلة، كأنما يخشى أن ينتزع منها
كان في داخله شعر أن شيئًا جديدا قد بدأ… وربما لن يكون مجرد لحظة عابرة