الفصل 8
••𝓣𝓱𝓮 𝔀𝓻𝓲𝓽𝓮𝓻 𝓐𝓻𝓲𝓭𝓳••
꧁꧂
꧁꧂
꧁꧂
ارتفع صوتُ المؤذّن شجيًّا، ينساب في الأفق كنداءٍ مهيبٍ يوقظ السكون، معلنًا دخول وقت صلاة العصر. كان للصوت وقعٌ خاص، كأنّه يلامس الأرواح قبل الآذان، ويهزّ في القلوب وترًا خفيًّا لا يُرى. نهض كنان على الفور، يتبعه والده، وقد اتّخذا طريقهما نحو المسجد بخطى يغمرها الوقار رغم ما اثقل كاهلهما من أحزان، بينما النساء بعضهنّ قمن مسرعاتٍ إلى الوضوء، كأنّ الطهارة ملاذٌ يلوذن به، وأخريات استسلمن لدوائر الحديث، يتحلّقن حول مائدةٍ لا تخلو من الهمس والفضول.
في المطبخ، خرجت سناء بخطواتٍ متزنة، تحمل بين يديها صينيّة نحاسية براقة، يلمع لونها الأصفر كقطعة شمسٍ صُقلت بعناية، تعلوها فناجين القهوة مصطفّة كجنودٍ أنيقين، وإلى جانبها صحنٌ من الحلويات المتنوّعة. كان المشهد متناقضًا حدّ الإدهاش؛ كيف لهنّ أن يجدن في أنفسهنّ تلك الطاقة التي تجمع بين الأكل والضحك، وبين تقليب أسرار الآخرين، في بيتٍ ما زال يلبس ثوب العزاء؟ سؤالٌ عابر مرّ في الأجواء، ثم ذاب كما تذوب الهمسات.
اما في الطابق العلوي، غادرت أماني غرفتها التي تستمتع فيھا بعزلتھا عن الجميع...كانت خطواتها على الدرج تُحدِث صدىً خفيفًا، يتردّد في أرجاء المكان كأنّه يرافق أفكارها . ارتدت عباءةً سوداء، تزيّن أطراف أكمامها تطريزات رمادية دقيقة، وانسدل خمارٌ أسود يحيط بوجهها، يزيد ملامحها غموضًا. في يدها حقيبة صغيرة بيضاء، بدت كوميضٍ وحيد في عتمة لباسها. نزلت الدرجات الأخيرة بثبات، ثم اتّجهت نحو الباب دون أن تنبس بكلمة، لا عن وجهتها، ولا عن موعد عودتها.
لكن صوت والدتها أوقفها، جاء بنبرةٍ اعتيادية لا تحمل فضولًا بقدر ما تحمل عادةً متكررة/وين رايحة.
الترجمة /إلى أين تذهبين؟
التفتت أماني، وبصوتٍ مقتضبٍ يخفي ما في صدرها من اضطراب، أجابت/خارجة مع اسماء.
ومن خلفها، قالت سارة وهي ترتشف قهوتها بلامبالاة/مطوليش.
الترجمة /لا تتأخري .
لم تُعلّق أماني. تابعت سيرها نحو الباب الحديدي، فتحته بيدٍ ثابتة. وقبل أن تخطو خارجه، توقّفت سيارة أمام المنزل ترجل منها مؤيد، أغلق الباب بقوة، ثم نزع نظاراته الشمسية، كاشفًا عن نظرةٍ مشبعةٍ بالازدراء والاحتقان. رمقها بعينين لا تعرفان اللين، وقال ببرودٍ قاسٍ /وين على خير.
الترجمة /إلى أين تذهبين؟
تظاهرت أماني بأنها لم تسمع، ومضت في طريقها، لكن خطواته الغاضبة لحقتها سريعًا. أمسك بذراعها بقوة، أجبرها على الالتفات إليه، وقال بصوتٍ مشحونٍ بالتحذير/مرة خرا كي نهدر معاك تجاوبيني ميش ديري روحك مسمعتيش وديري في بالك اذا مرباتكش امك انا لي نربيك.
الترجمة /في المرة القادمة حين أحدثكِ اجيبيني، ولا تتظاهري بعدم السماع. وضعي في حسبانكِ: إن قصّرت والدتكِ في تهذيبكِ، فسأتكفّل أنا بتقويمكِ.
سحبت أماني ذراعها بعنف من قبضته، وكأنها تنتزع نفسها من قيدٍ ثقيل، وصرخت، وقد اشتعلت ملامحها بالغضب /منيح على اخر عمري يربيني واحد كيفك لهدرة هاذي غير متزيدش تعاودها.
الترجمة /أيُعقل ان ينتقد تربيتي شخصٌ على شاكلتك؟ هذا القول بعينه، أرجو ألّا تكرّره
كظم مؤيد غيظه، فبدت عضلات فكه مشدودة، وقال بنبرةٍ تنذر بما هو أسوأ /انا راني كان نطول معاك نقتلك مالا نقلك ذركا راهي ربعة قبل ستة نسحقك فدار فهمتي.
الترجمة /إن أطلتُ الحديث معك قد أقتلك، وليكن بعلمك انها الساعة الرابعة قبل السادسة تكونين في المنزل. هل فهمتِ؟
ارتسم الاشمئزاز على وجهها بوضوح، كأنها ترفض حتى سماع صوته. ابتعدت بخطواتٍ سريعة، وكأنها تهرب من ظلّه، حتى بلغت مسافةً كافية عن المنزل، ثم استقلت سيارة أجرة، حملتها بعيدًا، لا نحو المكان فحسب، بل نحو هدنةٍ مؤقتة من ذلك الاختناق.
وصلت إلى المطعم. دفعت الأجرة، وترجلت، ثم دفعت الباب الزجاجي، فانفتح على عالمٍ أكثر هدوءًا. هناك، لمحت أسماء، تلوّح لها من إحدى الطاولات. كانت ملامحها وادعة، هادئة، كنسمةٍ خفيفة تمرّ على قلبٍ مثقل. في عينيها البنيّتين عمقٌ بسيط، وفي وجهها نمشٌ خفيف يضفي عليها سحرًا طبيعيًا، وشفتاها صغيرتان ممتلئتان بلونٍ ورديٍّ رقيق. بدت كأنها لوحةٌ تنبض بالبراءة.
اقتربت أماني، وضعت حقيبتها على الطاولة، ثم احتضنت أسماء بحرارةٍ خفيفة، تبادلتا السلام، وجلستا. غير أن ملامح أماني ظلّت مثقلة بشيءٍ من الانزعاج، كأن الغضب لم يغادرها بعد.
سألتها أسماء بلطفٍ صادق /واش بيك مقلقة.
الترجمة/لما انت منزعجة؟
تنفّست أماني بحدة، وقالت وقد غلبها الغضب/لخرا تاع مؤيد جيت خارجا وانتي وان رايحا وانا ذوك نربيك وقاعد يخرط وحدو اذاك يصبر برك ذوك يسلكها غالية كي هو كي اختو كي خوهم مزال ميعرفونيش.
الترجمة/ذلك الأحمق مؤيد يثرثر بكلام فارغ ...الى اين تذهبين ؟وينتقد تربيتي ومن ذلك القبيل لكن صبرا جميلا سيدفعون الثمن غاليا...جميعهم ودون استثناء.
نظرت إليها أسماء باستغراب، حاجباها يرتفعان قليلًا/مفهمتش علاه تحقدي عليهم لدرجة هاذي .
الترجمة /لا أفهم لماذا تحملين كل هذا الحقد تجاههم
أجابت أماني، وصوتها يخفت قليلًا لكنه يزداد مرارة/منيتك تسقسيني فسدولي كل حاجة منيحة في حياتي .بعت طوموبيلتي ودراهمها كنت راح نطلع بيهم للخارج على لخر فزد كلش
الترجمة/لقد كانوا سبب الدمار الذي اشهده الآن في حياتي .بعت سيارتي وتركت كل شيء وكل ذلك كان من اجل ان اغادر هذا البلد والأخير ماذا حدث ؟؟؟افسدوا كل مابنيته
تنهدت أسماء بعمق، ثم قالت بنبرةٍ يغلب عليها الإيمان والرضا/هذا مكتوب ربي احمدي ربي وادعيه يعوضك...سيديجا انا مافهمتش علاش مقلتيش لباباك يعاونك
الترجمة /هذا قدر الله، احمدي الله وادعيه بالعوض القريب ...ولكن لماذا لم تطلبي عون والدك ؟
خفضت أماني نظرها لحظة، ثم قالت/الحمد لله ياربي منيش نعتارض على مكتوبك... وزيد تعرفيني انا نحب اي حاجة نديرها في حياتي نكون انا لي تعبت عليها
ساد صمتٌ قصير، قبل أن تقطعه أسماء بنبرةٍ مشفقة/واش دير ميسون راهي لباس مزال معزيتهاش غاضتني مسكينة.
الترجمة /كيف حال ميسون؟ هل هي بخير؟ لم أعزّها بعد
لكن كلماتها لم تلقَ وقعًا حسنًا. ردّت أماني بفتورٍ مشوبٍ بالضيق/اذا عينك في ميسون الدار وتعرفيها.
الترجمة /إن كنتِ مهتمة بميسون فأقدامك ستقودك اليها
رفعت أسماء حاجبها، ونظرت إليها بانزعاجٍ واضح، ثم قالت محاولة إنهاء التوتر/ايا صاي صاي خلينا نخرجو ندورو كيما تفاهمنا يكون احسن.
لكن أماني لم تكن في مزاجٍ يسمح لها بذلك. قالت بحدةٍ خافتة، وقد طغى الضيق على كل شيء/نقلك حاجة نروح خير قلقت وطارتلي النفحة من كلش ...ايا باي.
الترجمة/ من الأفضل أن أعود، لقد انزعجت وفقدت الرغبة في كل شيء…وداعًا.
نهضت، حملت حقيبتها، وغادرت المطعم تاركةً خلفها أسماء غارقةً في حيرةٍ صامتة.