عشقٌ في مواجهة العرش
كانت قمة "برج النور" غارقة في سحرٍ لا يوصف ممراتٌ مزينة بأضواءٍ دافئة تتراقص مع نسيم الليل وزينات رقيقة تضفي على المكان هيبة وجمالاً. بينما كانت لينا غارقة في تأمل هذا المنظر الرائع شعرت بأنفاس آرثر الدافئة تقترب منها. وبحركة مليئة بالرقة، انحنى نحوها ليلف حول عنقها قلادة ذهبية ناعمة، تدلت منها قطعة مصممة بإتقان على شكل فراشة رقيقة.
همس آرثر بصوتٍ يملؤه الحنان بالقرب من أذنها:
"كل عام وأنتِ بخير يا لينا... كل عام وأنتِ تضيئين عالمي."
التفتت إليه وعيناها تلمعان ببريق السعادة، ويدها تلمس الفراشة المعلقة على صدرها بامتنان عميق، وقالت بصوت متقطع من شدة التأثر:
— "إنها رائعة يا آرثر... المكان كله يبدو كحلم لم أتخيل يوماً أن أعيشه. شكراً لك."
ابتسم آرثر وقد غمرته الراحة لرؤية سعادتها. شبك أصابعه بأصابعها، وقادها بخطوات هادئة عبر الممر المضيء حتى وصلا إلى طاولة أنيقة تتوسطها كعكة عيد ميلاد تتراقص فوقها الشموع. حمل آرثر الكعكة بابتسامة دافئة، وبدأ يغني لها لحن عيد الميلاد العذب، متقدماً نحوها بخطى واثقة ونظرات لا تحيد عن عينيها.
عندما توقف أمامها، قال بنبرة دافئة:
— "الآن يا لينا... أغمضي عينيكِ، وتمنّي أمنية."
أغمضت لينا عينيها، وفي تلك اللحظة لم يخطر ببالها سوى أمنية واحدة: أن تظل إلى جواره دائماً، وأن يدوم هذا الأمان الذي تشعر به معه إلى الأبد فهي أيضاً كانت تحمل له في قلبها حباً كبيراً. فتحت عينيها وأطفأت الشموع، فابتسم آرثر وقال لها:
— "سأترككِ لتقطيع الكعكة، وسأعود إليكِ بعد خمس دقائق فقط."أومأت له بالموافقة، وبينما كانت تقسم الكعكة وتضعها في الأطباق، كانت تشعر بنبضات قلبها تتسارع ترقباً لعودته. لم يمر الكثير من الوقت حتى رأته قادماً من بعيد، يسير نحوها بهيبة ولي العهد وعاطفة العاشق. وحينما أصبح أمامها مباشرة، تراجعت أنفاسها وهي تراه ينحني على ركبة واحدة.
أخرج من جيبه علبة مخملية فاخرة وفتحها، ليظهر بداخلها خاتمٌ ماسيٌّ يخطف الأبصار بنقائه. نظر إلى عينيها مباشرة، وقال بصوتٍ يرتجف بصدق المشاعر:
— "لينا لقد عشتُ سنواتي الماضية وأنتِ تسكنين روحي. أنا أحبكِ، وأتمنى أن تقبلي بأن تكوني زوجتي وشريكة حياتي، وملكة متوجة على عرش مملكة الشمال، وأماً لأطفالي في المستقبل. فهل تقبلين بي؟"
تجمعت الدموع في عيني لينا، ولم تعد قادرة على حبس مشاعرها. هزت رأسها موافقةً، وصوتها يخرج ممزوجاً بدموع الفرح:
— "نعم يا آرثر... أنا أيضاً أحبك، وقبلت بك منذ زمن بعيد."
نهض آرثر بلهفة والتقط يدها الرقيقة ليلبسها الخاتم الذي استقر في إصبعها كأنه صُنع لها خصيصاً. جلس الاثنان معاً يتناولان الكعكة ويتبادلان أطراف الحديث بسعادة غامرة، يخططان لمستقبلهما الذي بدا مشرقاً كأضواء البرج.
ولكن لم تدم تلك اللحظة الهادئة طويلاً. قطع انسجام عذوبتهما فجأةً حضور الملك "إدغار"، جد آرثر، الذي كان يقف على مقربة منهما بملامح يكسوها الغضب والصرامة. تقدم نحو آرثر، وبنبرة حازمة لا تقبل النقاش قال:
— "تعال معي الآن يا آرثر."
اعتذر آرثر من لينا بنظرة مطمئنة، وسار خلف جده حتى ابتعدا عنها مسافة كافية. ما إن توقفا حتى التفت إدغار إليه بغضبٍ متقد:
— "ما الذي تفعله هذه الفتاة البشرية هنا في قلب مملكة الشمال؟ وكيف تجرؤ على إحضارها إلى هذا المكان المقدس؟"
رد آرثر بثباتٍ لم ينحنِ أمام غضب جده:
— "أنا أحبها يا جدي، وقد طلبتُ يدها للزواج اليوم. ستكون زوجتي وملكتي القادمة."
اتسعت عينا إدغار بدهشة تحولت سريعاً إلى حنقٍ شديد:
— "زواج؟! أجننت يا آرثر؟ هذه البشرية ستخرج من هنا فوراً، ولن أسمح—"
— "ولن أتركها أبداً!" قاطعه آرثر بإصرارٍ وعيناه تلمعان بتحدٍ وتابع بجدية بالغة: "إن وقفت المملكة في طريق سعادتي معها، فسأترك العرش والمملكة كلها من أجلها."
صُدم إدغار من نبرة حفيده. أدرك في تلك اللحظة أن آرثر لا يمزح، وأنه مستعد للتخلي عن كل شيء. ولأن الملك لا يمكنه خسارة ولي عهده الوحيد ومستقبل العرش، تراجع خطوة للخلف وهو يبتلع غضبه، وقال ببرود ملئ بالتهديد:"حسناً، افعل ما تشاء... ولكن تذكر جيداً يا آرثر: إن صدر منها أي تصرف يثير الشبهة، أو تسببت بأي أذى للمملكة، فأقسم لك أنني سأنهي حياتها بيدي."
أجابه آرثر بثقة مطلقة:
— "اتفقنا، فأنا أثق بلينا وبأنها لن تضر أحداً أبداً."
ثم سأله آرثر بفضول: "ولكن، كيف علمت بوجودها هنا بهذه السرعة؟"
ابتسم إدغار ابتسامة غامضة مليئة بالدهاء، وقال قبل أن يلتفت مغادراً:
— "لا يحدث شيء في هذه المملكة دون علمي يا فتى."
عاد آرثر إلى لينا، التي كانت تراقب الموقف بقلق. سألته بصوت خفيض:— "من هذا الرجل يا آرثر؟ لقد بدا غاضباً للغاية."
أمسك يدها ليطمئنها وقال بابتسامة هادئة:
— "لا تقلقي، إنه جدي. والآن، دعينا نذهب إلى القصر، فقد انتهت جولتنا هنا."
أحاطها بجناحيه مجدداً وطار بها نحو القصر الملكي الشاسع. وحينما وصلا، قادها عبر الممرات الطويلة حتى توقف أمام جناح ملكي فاخر يقع بجوار جناحه تماماً. فتح الباب لتنبهر لينا باتساع المكان وجماله؛ حيث كان الأثاث يجمع بين الكلاسيكية الساحرة والفخامة الملكية.
التفت إليها آرثر وقال بابتسامة:
— "لقد أمرتُ الخادمات بتجهيز هذا الجناح ليكون لكِ من الآن فصاعداً. ما رأيكِ به؟"
ردت لينا بإعجاب شديد:
— "إنه مذهل حقاً، أشكرك يا آرثر على كل ما تفعله لأجلي."
اقترب منها خطوة، وقال متسائلاً:
— "بما أنكِ في عامكِ الجامعي الأخير، وتبقى لكِ شهر واحد فقط على التخرج... ما رأيكِ أن نحدد موعد زفافنا بعد شهرين من الآن؟"
أجابت بخجل وسعادة:
— "هذا الموعد مناسب جداً... موافقة."
جلسا يتحدثان لبعض الوقت، يسترجعان ذكريات الماضي ويرسمان أحلام المستقبل، حتى غلب التعب على لينا. ودعها آرثر متمنياً لها ليلة سعيدة، وتوجه إلى جناحه الخاص لينال قسطاً من الراحة.
دخلت لينا لتاخذ حماماً دافئاً يزيل عنها عناء هذا اليوم الحافل. وعندما خرجت، تذكرت فجأة أنها لم تجلب معها أي ملابس. توجهت إلى الخزانة الخشبية الكبيرة وفتحتها، لتفاجأ بوجود تشكيلة واسعة من الأزياء الراقية والملابس المريحة التي أُعدت خصيصاً لها. ابتسمت من شدة اهتمامه بأدق تفاصيل راحتها، واختارت بيجامة وردية ناعمة.
قبل أن تخلد إلى النوم، أمسكت هاتفها واتصلت بصديقتها المقربة إيلا، لتخبرها بكل ما حدث معها في هذه الليلة ، وعن عرض الزواج والخاتم.
في صباح اليوم التالي، استيقظت لينا على صوت طرقات خفيفة من إحدى الخادمات، تخبرها بأن الجميع في انتظارها على مائدة الإفطار. ارتدت ملابسها سريعاً ونزلت إلى قاعة الطعام الملكية. ساد الصمت والهدوء المائدة أثناء تناول الإفطار، احترماً لوجود الملك إدغار.
وبعد انتهاء الوجبة، أخذها آرثر في طريق العودة إلى عالم البشر لكي تلحق بمحاضراتها الجامعية. ومنذ ذلك اليوم، بدأ العد التنازلي حيث عاش آرثر ولينا شهرين من الشوق والترقب، لا يقطعهما سوى أحاديثهما الهاتفية الطويلة كل ليلة قبل النوم، بانتظار اليوم الذي سيجمعهما.