التحدي المستحيل
استيقظت رنيم في وقت مبكر جداً، فالقلق كان كفيلاً بطرد النوم من جفنيها بعد سويعات قليلة من الأرق. توضأت وصلت فرضها، وسجدت تدعو الله أن يمرر هذه الأيام بسلام وأن يكفيها شر ذلك "المتسلط". وقفت أمام خزانتها في حيرة، حتى استقرت على قميص أبيض ناصع وتنورة بنية مع حجاب يماثلها في اللون؛ إطلالة تجمع بين الرسمية والوقار الذي تحبه.
نزلت رنيم لتجد سيارة والد إيميلي بانتظارها، ركبت وهي تلقي تحية الصباح بهدوء.
— والد إيميلي: "كيف حالكِ يا بنيتي؟"
— رنيم: "بخير يا عمي، شكراً لك."
غرقت رنيم في عالم أفكارها، تتخيل المواجهات القادمة مع سيف، حتى أيقظها صوت إيميلي: "رنيم! لقد وصلنا، ما بكِ شاردة؟ لستِ رنيم القوية التي أعرفها!"
ابتسمت رنيم وعانقت صديقتها قائلة: "شكراً لكِ، سأكون بخير.. سأذهب الآن قبل أن أتأخر."
في مكتبها الجديد، بدأت رنيم بترتيب أغراضها بهدوء، حتى اخترق سكون المكان دخول سيف المفاجئ دون سابق إنذار.
— رنيم (بهدوء وثبات): "ألم يعلمك والداك أن من الأدب طرق الباب قبل الدخول؟"
— سيف (وقد اشتعلت عيناه غضباً): "ماذا؟ كيف تتجرئين! هذه شركتي وأنا حر في التحرك فيها كما أشاء!"
دخل زين مسرعاً بعدما سمع جلبة الصراخ: "ماذا هناك؟ لمَ أنت غاضب يا سيف؟"
— رنيم (ببرود يضاهي برود الثلج): "فقط أخبرته بقواعد الأدب في الاستئذان."
حاول زين تهدئة البركان الثائر، وأقنع سيف بالذهاب للراحة قبل الاجتماع المصيري. التفت زين لرنيم وقال بنبرة ناصحة: "رنيم، تجنبي غضبه قدر الإمكان إذا كنتِ تريدين حقاً الانتقال للسنة الخامسة." ثم أضاف قبل خروجه: "جهزي نفسكِ، ستحضرين الاجتماع بصفتكِ سكرتيرة سيف الخاصة."
مر الوقت، ودخل سيف مجدداً بنفس الطريقة الفظة، وقال بجدية حادة: "أعطني ملف شركة (....) فوراً لأراجعه قبل الاجتماع."
بحثت رنيم عنه في كل مكان بلا جدوى، ليصرخ سيف بصدمة حين تذكر: "تباً! لقد نسيته في الطائرة!"
— رنيم (بثقة لمعت في عينيها): "لا بأس، أخبرني بالمعلومات الأساسية وسأعد ملفاً جديداً."
— سيف (بسخرية مريرة): "استغرقنا أسبوعاً كاملاً لإعداده، وأنتِ تريدين إنجازه في نصف ساعة؟"
— رنيم: "أعطني المعلومات فقط، وإن لم تجد الملف جاهزاً وبجودة أفضل مما كان، فلك الحق في منعي من إكمال دراستي."
اندهش سيف من جرأتها وأعطاها البيانات ومضى. بدأت رنيم سباقاً مع الزمن، أصابعها تتطاير على لوحة المفاتيح وعقلها الهندسي يرتب المعلومات بدقة متناهية.
في قاعة الاجتماعات، بدأ الوفد الأجنبي بالتذمر من التأخير، وسيف يغلي داخلياً وهو يتساءل: "أين هي؟ هل هربت؟"
وفجأة، انفتح الباب ودخلت رنيم بخطوات واثقة كالاميرات، وقالت بلكنة إنجليزية متقنة: "آسفة على التأخير، لنبدأ العرض."
بدأت رنيم بعرض الملف، وكان سيف يراقب الشاشة بذهول؛ لم يكن ملفاً عادياً، بل كان تحفة فنية مليئة بالدقة والاحترافية التي لم يسبق له رؤيتها. نظر إليها في سره وهو يتساءل: "من أنتِ حقاً يا رنيم؟ وكيف استطعتِ فعل ما عجز عنه جيش من الموظفين في دقائق؟"