القدر و لصدفة العمياء
في شقة رنيم المتواضعة، كانت الأجواء تخيم عليها الحيرة. عادت رنيم منهكة القوى بعد رحلة بحث مريرة عن عمل باءت كلها بالفشل. دلفت إلى الحمام وتركت المياه تنساب على وجهها، لعلها تغسل هموم يومها وتطرد الأفكار السوداء التي تراودها حول كيفية تأمين أقساط الجامعة. أغلقت الصنبور وهي تقرر ألا تستسلم لليأس، فغداً يوم دراسي جديد والامتحانات على الأبواب.
انغمست رنيم في كتبها ومخططاتها الهندسية، محاولةً نسيان العالم الخارجي، حتى قاطعها رنين هاتفها.
— رنيم: "مرحباً أيتها الكسولة."
— إيميلي (بنبرة باكية): "رنيم! أنقذيني، الامتحان غداً وأنا لم أفتح كتاباً بعد!"
— رنيم (بضحكة خفيفة): "لا بأس، تعالي إليّ وسنذاكر معاً."
على الجانب الآخر، استأذنت "المجنونة" إيميلي والدتها، وارتدت سروالاً بنياً وقميصاً أبيض بسيطاً، وتركت خصلات شعرها السوداء الغجرية تنسدل بحرية على كتفيها. نزلت مسرعة نحو سيارة والدها، وفجأة.. انطلقت سيارة فخمة بسرعة جنونية كادت أن تدهسها!
توقف صاحب السيارة بعنف، وخرج منها وهو يستشيط غضباً. إنه زين.
— زين (بحدة): "ما بكِ؟ هل تقفين في منتصف الطريق عمداً؟"
— إيميلي (بصراخ): "كدتَ تدهسني وفوق ذلك تلومني؟ أنت الأعمى هنا وتحتاج لنظارات بالتأكيد!"
— زين (بذهول من جرأتها): "ماذا؟ اذهبي من وجهي قبل أن أفعل شيئاً لا يعجبكِ."
كادت إيميلي أن ترد عليه لولا رنين هاتفها وصوت والدها. نظرت لزين بتحدٍ وقالت: "لحسن حظك أن أبي المتصل، وإلا لما نجوتَ مني اليوم!" رحلت وتركت زين واقفاً مكانه لبرهة، يراقب طيفها وهو يتمتم بابتسامة غريبة: "مجنونة حقاً!"، ثم انطلق مسرعاً فلديه اجتماع هام مع سيف.
وصلت إيميلي إلى رنيم، وما إن بدأت المذاكرة حتى رن هاتف رنيم برقم غير معروف.
— رنيم: "مرحباً.. نعم أنا رنيم شاكر."
— المتصل: "مبروك، لقد تم قبولكِ في العمل الذي تقدمتِ له سابقاً."
قامت رنيم تقفز وتضحك من شدة الفرح، واحتضنت إيميلي التي صرخت بسعادة: "وأخيراً! الراتب العالي سيحل كل مشاكلكِ!" عادتا للمذاكرة لساعات بجد، حتى قررتا أخذ استراحة.
بينما كانت رنيم تحضر العصير، كانت إيميلي تتصفح هاتفها بملل، وفجأة تجمدت الدماء في عروقها وهي تقرأ خبراً عاجلاً على موقع الجامعة:
[تنبيه هام: على جميع طلاب السنة الرابعة - قسم الهندسة - الحضور الإجباري للتدريب الميداني في "شركات الإمبراطور". لن يتم الانتقال للسنة الخامسة بدون شهادة التدريب من هذه الشركة حصراً].
— إيميلي بصراخ مرتعش: "رنيييم! تعالي بسرعة!"
هرعت رنيم إليها، وما إن قرأت الخبر حتى سقط الهاتف من يدها. عادت بها الذاكرة إلى مكتب سيف.. إلى إهانته لها.. وصوته المتعجرف.
هل هو القدر الذي يجرها إليه مجدداً؟ أم أن سيف هو من خطط لهذا "التدريب الإجباري" ليجبرها على العودة إلى مملكته؟