الفصل الخامس
بعد عدّة أيام، جلست جميلة بجوار والدتها على سريرها، بعد ما طرقت الباب ودخلت.
قالت الأم:
- خير يا حبيبتي؟
قالت جميلة:
- أبداً، جاية أطمن على حضرتك.
قالت الأم بابتسامة حنونة:
- أنا الحمد لله بخير... إنتي بقى أخبارك إيه؟
قالت جميلة:
- كويسة يا ماما.
قالت الأم وهي تنظر إليها بتركيز:
- لا... بقالك كذا يوم كده مش تمام. عاصم كويس؟
قالت جميلة بارتباك:
- عاصم؟ تقصدي إيه؟
قالت الأم:
- فكراني مش واخدة بالي من اهتمامه بيكي وبعيالك؟
قالت جميلة محاولة التهرب:
- اهتمام إيه بس؟ شكله كان فرحان بلمتنا أنا وعيالي، ولما لقى ناس في حياته... نسينا.
قالت الأم:
- اسألي عليه يمكن تعبان.
قالت جميلة بتهكم:
- زي القرد! سألت عم محروس، قالي كويس وبينزل كل يوم عادي جدًا.
ضحكت الأم:
- طب إيه؟
قالت جميلة بغرور مصطنع:
- براحته... ظهر، ظهر. ما ظهرش، مش مهم. أنا لا كنت حبيته ولا حتى أعجبت بيه.
قالت الأم بابتسامة ذكية:
- متأكدة؟
قالت جميلة بعصبية:
- أيوة يا ماما متأكدة! طب عن إذنك، هدخل أنام... حضرتك عايزة حاجة؟
قالت الأم بدعاء:
- ربنا يروّق بالك يا حبيبتي، ويقدّم لك كل خير يا رب.
قبلتها جميلة على رأسها، وانصرفت إلى حجرتها. ظلت تتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، ثم نامت.
المشهد الثانى
في اليوم التالي، وأثناء عودة جميلة من العمل، وجدت عمالا يحملون اثاث يتجهون نحو السلم. نظرت إليهم باستغراب ثم نادت:
- عم محروس!
- نعم يا ست جميلة؟
- حد جديد سكن معانا ولا إيه؟
- عقبال عندك... الدكتور عاصم بيوضّب شقته.
تركت جميلة محروس واتجهت نحو الاسانسير، وما إن وصلت للدور حتى وجدت عاصم واقفا يشاور للعمال بتوجيهات. اقتربت منه ونظرت له قائلة يغيظ:
- مبروك... تغيّر عفش شقتك؟ ناوي تتجوز ولا إيه؟
نظر لها بخبث وقال:
- معقولة يعني؟ وتبقي إنتِ آخر من يعلم؟!
اتفضّلي، تفرّجي.
دخلت الشقة لتجد سيف، سليم، ويسر يقفون وسط العمال، يساعدون في ترتيب المكان.
قالت بدهشة:
- إيه ده؟ بيعملوا إيه هنا؟
رد سيف بحماس:
- مامي، شوفي البياض ده! إحنا اللي عملناه!
نظرت جميلة إلى عاصم وقالت بارتباك:
- أنا مش فاهمة حاجة!
قال عاصم وهو يضحك:
- لما عرفوا إني ملخوم في التوضيب، عرضوا يساعدوني... وأنا استغلت الفرصة! بدل الصناعيه يعني.
قالت:
- ازاي محدش قالي؟!
قال سليم بابتسامة:
- أصل حضرتك ما سألتيش.
قالت جميلة بنبرة ساخرة:
- على فكرة، هدومهم ما كانتش بتتبهدل، وأنا بغسلها بنفسي.
قال عاصم ضاحكاً:
- عيب عليكِ! أنا جبتلهم عفاريت الميكانيكية يلبسوها... ولا نقطة لون جات عليهم.
ضحك الجميع، وقالت يسر:
- والله انبسطنا أوي في العشر أيام دول يا أونكل!
قالت جميلة بدهشة:
- عشرة أيام؟! ده أنا أم مهملة بقى!
قال عاصم:
- متقوليش كده... أكيد شغلك واخد كل تركيزك.
نظرت له بغيظ وقالت:
- برضو يا عاصم؟!
قال سليم:
- برضو إيه؟ هو أنتم كنتم متخانقين ولا إيه؟
قال عاصم بثقة:
- لا حبيبي، نتخانق ليه بس؟
يلا يا جميلة، أفرّجك على التقسيمة الجديدة.
قال سليم:
- أنا هطلع أغير، عندي تمرين.
قال عاصم:
- استناني، أوصلك بنفسي... عايز أشوف تمرينة النهاردة.
نظرت جميلة له بدهشة:
- وإنت تعرف تمرينه النهاردة عن امبارح؟
رد سليم بابتسامة:
- أونكل عاصم بيروح معايا كل يوم.
نظرت له جميلة قائلة:
- شكلي ما بقيتش أعرف عنكم حاجة.
قال عاصم:
- جهّز نفسك يا سليم، وزوّد ازازتين مياه كمان.
قال سيف:
- وأنا ينفع أروح معاكم؟
قال عاصم وهو يبتسم:
- طبعًا يا قلبي!
جرى سيف خلف أخيه، وذهبت يسر أيضًا.
نظرت جميلة إلى عاصم وقالت:
- يعني بعيد عني... وقريب منهم همّ!
قال بهدوء:
- هم عايزين قربي ده...
قالت:
- وأنا؟
رد بنظرة مباشرة:
- مش باين يا جميلة... إنتِ حتى ما أخدتيش بالك إنّي بعدت. ولا حتى سالتى عليا.
قالت بعصبية:
- بعد إذنك... متحكمش عليا من وجهة نظرك إنت.
قال بنبرة هادئة:
- قولي سمعِك... فارق أنا معك؟ ناوى اهبب ايه؟
قالت بغيظ:
- إنت لما صدقت الأولاد يمشوا، بدأت تلبّخ .
قال:
- ولا لبّخ ولا حاجة... هدخل أغيّر عشان سليم ما يستناش.
قالت بعصبية:
- استنى! مادام أنا في داهية، مركز على عيالي ليه؟!
نظر لها بجدية وقال:
- أولًا، أنا ما قلتش إنك في داهية. إنتِ في قلبي، وإنتي عارفة ده كويس...
قربي من ولادك، مالكيش دعوة بيه. أنا قريب منهم عشان هم عايزيني، مش عشان أقرّبلك.
والدليل؟ إن العشر أيام اللي فاتوا ما اهتمتش أقولك إننا بنقضي وقت مع بعض.
قالت:
- يا عاصم، أنا خايفة... والله مش سهل أدخل في علاقة بعد ما فشلت!
قال بأسى:
- وأنا معاكي... لحد ما تعرفي إنّي أمان مش خوف.
عن إذنك...
قالت فجأة:
- استنى! ما تسبنيش!
لو بتحبني...
نظر لها بعينين متسعتين، وقال:
- "لو"؟!
جميلة، أرجوكِ... خدي هدنة، فكّري، شوفي إنتي عايزة إيه.
وأي قرار تاخديه... أنا راضي بيه.
هتلاقيني هنا... نص الشقة عيادتي، والنص التاني بيتي.
يعني أي وقت تحتاجيني... أنا موجود.
قالت بعصبية:
- إيه الاستسلام ده؟! هو ده اللي مش هسمحلك تكون لغيري!
نظر لها، وقال بعصبية مكتومة:
- إنتي عايزة مني إيه؟ ليه مصممة تطلعيني عن شعوري؟!
لو حد شايف راحته في بعدك... هتجبريه يكون معاكي بالعافية؟
قالت:
- ماعرفش... بس لازم تحاول! وتحاول!
قال بهدوء عميق:
- طب نبدّل المرة دي...
إنتي اللي تحاولي.
اعملي أي حاجة... أحس إنّك حتى بتحسّي ناحيتي ب اي مشاعر.
وفاجأته جميلة برمي نفسها في حضنه...
تجمّد للحظة من سرعة ردة فعلها واحتياجها، ثم احتواها بذراعيه، وكأنّه طالما تمنى هذا القرب منها...
أن يشعر أنّه مرغوب، أن يعلم أنّه في قلبها فعلًا.
ولكن... كما دائمًا، الرياح لا تأتي بما تشتهي السفن.
دخل سليم عليهما فجأة.
تجمّد في مكانه، نظر لهما، ثم...
قال عاصم:
- سليم... افهم!
قال سليم بعصبية:
- أفهم إيه؟!
إنك استخدمتني عشان توصل لها؟!
تحرّك ليمشي، حاول عاصم أن يمسكه، لكن سليم دفعه قائلًا:
- ابعد عني!
وانصرف مسرعًا.
نظرت جميلة لعاصم والدموع تغرق عينيها، وقالت:
- يعني كان لازم يدخل دلوقتي بالذات؟!
قال عاصم بغضب:
- كده... كده، كان هيعرف!
قالت:
- بس مش بالطريقة دي... ولا بالأسلوب ده!
قال:
- سيبيني أتكلم معاه!
قالت بغضب:
- لأ!
أنا مش ممكن أخسر ابني عشان خاطر أي حد!
وانصرفت.
- وكأن كلماتها كانت سيفًا مغروسًا في قلب عاصم...
- ما أشد قسوة الزمان، ففي اللحظة التي يزرع لك فيها حبًا...
هو نفسه الذي يسرقه منك.