الفصل الثالث
المشهد الاول
في اليوم التالي، وعند موعد الغداء، كانت هند ويسر تضعان الأطباق على السفرة. من بعيد، كان صوت أحمد وسيف يملأ المكان وهما يتبارزان على البلايستيشن.
نادت هند بنبرة هادئة: - أحمد، نادي صاحبك، الغدا جاهز.
رد أحمد دون أن يرفع عينيه: - وجميلة؟ هتيجي امتى؟
قالت هند: - طنط قالت إنها عندها شغل.
تنهّد باستغراب: - غريبة دي... شغل لحد بعد الساعة ستة؟
ابتسمت هند بمكر: - شغل الخاص يا باشا... وانت عارف قد إيه بيستنزف.
ضحك وقال: - على رأيك... ما هو مصّ دمنا.
ثم استدار إلى سيف: - استنى شوية، هكلم رامي.
قال سيف ممازحًا: - هو رامي ولا عاثم؟
رن جرس الباب. قال أحمد: - تقريبا هو... اسأله بقى سؤالك.
جرى سيف نحو الباب، فتحه وحضن القادم: - كنا لسه في سيرتك.
ابتسم عاصم: - خير إن شاء الله.
دخل إلى الشقة واستقبلته هند ويسر بترحاب، صافحهم جميعًا.
قال احمد : دى يسر بقى بنتي
قال عاصم مبتسماً: ماشاء الله عروسة زى القمر
قالت هند مداعبة: وانا ام العروسة
فابتسم عاصم قائلاً: ازيك يا مدام هند
نظرت هند لاحمد مبتسمه قائله: ما شاء الله دا فكرني
فابتسم عاصم قائلاً: مش كنا عيال كلنا وبنلعب سوي
قال أحمد: - يلا على السفرة، أنا جوعتهم مخصوص علشانك.
جلس الجميع حول السفرة، ونادى أحمد على والدته: - ماما، رامي جه.
جلس رامي بجوار أحمد، ثم سيف على يساره، وفي المقابل هند ويسر. جاءت الأم وسلمت عليه وجلست على رأس المائدة. وبعد لحظات، خرج سليم من حجرته وجلس بجوار يسر.
تأملهم عاصم ثم سأل: - هي فين جميلة؟
أجاب سليم سريعًا: - حضرتك محتاجها في حاجه؟
تدخل أحمد متسرعًا: - عندها شغل... وده سليم، ابنها الكبير، نسيت أعرّفك عليه.
قال عاصم مبتسمًا: - أهلاً بيك، حبيبي.
رد سليم ببرود: - أهلاً.
سأل عاصم أحمد: - بتشتغل فين؟
قال أحمد: - في شركة مقاولات... صاحبها كان زميلها أيام الجامعة.
في تلك اللحظة، تبدلت ملامح وجه عاصم، وكأن شرارة الغيرة اشتعلت دون أن يشعر. سيطر عليه تصور ربما لا أساس له، أن ثمة علاقة خفية تربط بين جميلة وصاحب العمل، وهو السبب وراء توظيفها بسرعة
صوت أحمد: - إيه يا رامي؟ الأكل هيبرد.
ابتسم عاصم ابتسامة باهتة، وتناول طعامه بصمت. وفي داخله، كان يناجي نفسه: "غريب هذا القدر... تحاول الاقتراب من شخص، بينما هو يبتعد عنك بإرادته، كأنه يرفض أن يكون مصدر سعادتك."
ظل يأكل شاردًا، عيونه على الأطباق وروحه في مكان آخر. لم يكن مجرد اشتياق، بل وجع دفين، فقد عاد لها... من أجلها. ما كان ليفكر في الرجوع إلى هذا البلد لولا معرفته بطلاقها، بلد لم يعد فيه له صديق ولا رفيق.
قالت الأم وهي تحاول كسر صمته:
ــ هات طبقك يا رامي أزود لك.
أجابها بابتسامة خافتة:
ــ تسلم إيدك حضرتك... أنا شبعت الحمد لله.
قالت متعجبة:
ــ شبعت إيه بس؟ ده أنت ما مديتش إيدك غير في طبق اللي جنبك.
ضحك بخفة وقال:
ــ لا والله أكلت، تسلمي .
قالت يسر مبتسمة:
ــ على فكرة، أنا اللي ساعدت نينا في الأكل.
ابتسم لها وقال برقة:
ــ تسلم إيدك يا قمر...و علشان ساعدتيهم، الأكل طلع أجمل.
نظر له سليم بغيظ واضح، ثم قال:
ــ عن إذنكم.
وغادر المائدة، فأخذ أحمد نفسًا عميقًا وقال لعاصم:
ــ معلش، بعد طلاق مامته وباباه، سليم بقى عصبي حتى معانا.
قالت يسر بقلق:
ــ أنا هقوم أشوفه.
قاطعتها هند:
ــ اغسلي إيدك الأول .
قالت يسر ضاحكة:
ــ ما أنا هاخد طبقي وأكمل الأكل جوه.
ضحك الجميع، ثم نهضت يسر متجهة إلى غرفة سليم، بينما وقف أحمد مع عاصم وتوجها معًا لغسل أيديهما.
في حجرة سليم، جلست يسر بجواره على السرير وقالت بمزاح:
ــ بجد غرت؟! تغير عليا من الراجل ده؟! ده في سن بابا.
نظر لها سليم قائلاً:
ــ أغير عليكِ من أي نسمة معدية حتى، مش بس من داه.
ضحكت يسر، فتابع وهو يزفر بضيق:
ــ وبعدين، شايفة الكائن الملزق ده؟ مش شايفة كلامه وسؤاله المستمر عن أمي؟
قالت يسر محاولًة تهدئته:
ــ عادي يا سليم، كان جارهم زمان وأكيد يعرفهم كويس، مش غريب يعني.
رد سليم بنبرة جافة:
ــ وده يديله الحق يكون أوفر كده؟
قالت يسر ممازحة:
ــ والله انت اللي أوفر.
وفي شرفة الشقة، كانت هند تتحدث بهاتفها وتقول:
ــ الراجل شكله محترم جدًا... والله انتِ ظالماه.
جاء صوت جميلة من الطرف الآخر متوترًا:
ــ مش مرتاحة لنظراته ولا لطريقته في الكلام.
ضحكت هند:
ــ طب ما يمكن يكون معجب... هو انتِ قلقانه كده ليه؟
قالت جميلة بانفعال:
ــ بتهزري يا هند؟! أدخل حياتي راجل تاني؟! وكمان كأنك بتتكلمي على إنه خلاص اتقدم لي رسمي!
قالت هند بمكر:
ــ ما هو يستاهل ندي فرصة... يتقدم وبعدين احكمي.
ردت جميلة بحسم:
ــ لا شكرًا، أنا مش ناقصة.
في تلك اللحظة، فتح أحمد باب الشرفة وقال لهند:
ــ كنت عايزك تكلمي جميلة، ابنها مصمم يروح عيد الميلاد ورامي مصمم يوصله.
أشارت هند إلى الهاتف:
ــ هي معايا على الخط... سمعتي يا جميلة؟
قالت جميلة بلهجة حادة:
ــ طيب، أنا طالعة دلوقتي.
المشهد الثانى
- قرار القلب
دفعت جميلة حساب الكافيه و بخطوات متسارعة، واتجهت نحو مدخل العمارة. وما إن مدت يدها لزر المصعد، حتى فوجئت بسيف وعاصم يخرجان منه. أمسكت سيف من أذنه بحزم:
ــ إزاي تنزل من غير إذني؟
حاول عاصم تهدئة الموقف بلطف:
ــ هو استأذن مامتك وأخوكي يا جميلة.
قالت بانفعال:
ــ كده يعني؟! أنا بقيت مركونة على الرف! وبعدين، حضرتك مالك؟
ارتبك عاصم قليلًا، وقال بنبرة معتذرة:
ــ آسف، والله مش قصدي ألغي دورك... بس وعدته امبارح، وكنت حابب أوفي بوعدي.
قالت وهي تشير لسيف:
ــ لا شكرًا... اتفضل قدامي.
استدارت، ودخلت المصعد وهي تضغط الجرس لشقة والدتها. فتحت يسر الباب مسرعة، فاندفعت جميلة إلى الداخل وهي تنفجر:
ــ تعرفوا الراجل ده منين علشان تنزلوا معاه ابني؟!
قامت الأم من على الأريكة بقلق:
ــ في إيه يا جميلة؟! اهدَي شوية.
قالت جميلة بخنق:
ــ لما بسيب عيالي معاكم، يبقى ما يتحركوش من البيت غير بإذني!
حاولت هند تهدئتها:
ــ في إيه يا جميلة؟ حصل إيه بس؟
صرخت جميلة:
ــ محدش يقول لي اهدَي! أنا فيا اللي مكفيني!
تدخل أحمد غاضبًا:
ــ وإحنا كمان فينا اللى مكفي مش عايشين في كومباوند ؟!
قالت هند حازمة:
ــ أحمد، اهدى شوية.
رد بعصبية:
ــ لازم تعرف إن صوتها ما يعلاش طول ما هي قاعدة مع أمي... ولو مش عاجبها، تاخد عيالها وتـ...
قاطعته الأم فجأة وهي تضع يدها على صدرها وتتهاوى على الأريكة. التف الجميع حولها.
قالت هند بقلق:
ــ اتصل بعاصم بسرعة، يا أحمد!
...
في حجرة النوم، وقفت جميلة وهند جهة اليسار من السرير، بينما وقف عاصم وأحمد جهة اليمين. فتحت الأم عينيها ببطء، وهمست لعاصم:
ــ إيه اللي حصل؟
قال بلطف:
ــ حضرتك بخير، بس الأفضل نعرضك على دكتور متخصص.
سأل أحمد وهو يرمق عاصم بريبة:
ــ هو انت تخصصك إيه صحيح؟
نظر عاصم إلى جميلة للحظة، ثم عاد ببصره لأحمد قائلاً بابتسامة هادئة:
ــ دكتور نفسي.
ساد صمت ثقيل، ثم ارتسمت على وجوههم جميعًا ابتسامات باهتة أقرب للدهشة.
قال عاصم بهدوء:
ــ ممكن أكلمك بره، يا أحمد؟
غادرا الغرفة، بينما همست جميلة لهند:
ــ خليكِ مع ماما... هخلص معاهم وأرجع.
...
على باب الحجرة، قالت جميلة وهي تنظر إلى عاصم بخجل:
ــ أنا آسفة على طريقتي... كنت متوترة.
قاطعها برفق:
ــ مفيش داعي للأسف... يمكن أنا اللى تدخلت شوية زيادة.
قال أحمد وهو يربت على كتف عاصم:
ــ متطفل إيه بس؟! ده انت أخونا يا راجل.
أعاد عاصم نظره لجميلة، التي أخفضت رأسها، ثم قال:
ــ الأهم دلوقتي إننا نعرض مامتك على دكتور. بصراحة، عندي شك إنها عندها سكر.
قالت جميلة وأحمد في وقت واحد:
ــ سكر؟!
ابتسم عاصم:
ــ يا جماعة، ده مرض العصر، مش حاجة تخوف.
قال أحمد:
ــ إن شاء الله بعد بكره آخد إجازة وأروح بيها.
قالت جميلة :
لسه نستنى لبعد بكره يا احمد
قال عاصم مقترحًا:
ــ أنا فاضي، ممكن أروح معاكم لو تحبوا... إلا لو شايفين ده تدخل.
قالت جميلة بسرعة:
ــ لا خالص، أنا اعتذرت لحضرتك خلاص
ابتسم عاصم وقال:
ــ والله أنا بس وعدت سيف، ومكنتش حابب أزعل الولد... لكن أكيد مش قصدي ألغي وجودك.
قالت بخجل:
ــ عارفة... ولو مش هتتضايق، ممكن أنادي عليه ينزل مع حضرتك؟
ردّ بحماس:
ــ ياريت! ولو تقدري تكوني معانا كمان، يبقى أحسن.
نظرت إلى أحمد الذي اكتفى بابتسامة وإيماءة مشجعة.
قالت جميلة:
ــ طيب... هدخل أغيّر هدومي.
قالوا:
ــ اتفضلي.
دخلت جميلة إلى غرفتها، فقال عاصم:
ــ أنا هنزل أجيب شوية حاجات واستناهم تحت... خليها ترن عليا لما تجهز.
أومأ أحمد موافقًا. بعد دقائق، خرجت جميلة متجهة نحو أخيها:
ــ هو فين؟
قال مبتسمًا:
ــ راح يشتري شوية حاجات... وقال ترني عليه.
قالت بارتباك:
ــ و... وأنا ارن عليه ليه؟! رن انت!
ضحك أحمد، ثم قال وهو يقترب منها:
ــ مش معنى إنك فشلتي مع أسامة، إنك تفشلي في أي علاقة تانية.
تداركت جميلة الموقف بسرعة:
ــ علاقة إيه بس؟! وبعدين، أنا نسيت أعتذرلك على طريقتي من شوية.
ضمّها أحمد إليه:
ــ وأنا عمري ما بزعل من اختي الصغيرة.
ابتسمت جميلة بحنان، ثم نزلت مع سيف، لتجد عاصم واقفًا بجوار سيارته.
قال عاصم مازحًا:
ــ كنت واثق إنك مش هترني عليا... كنتِ عايزة تنزلي وماتلاقينيش وتبقي عملتي اللي عليكِ وخلاص.
قالت:
ــ لا والله... أبدًا.
فتح لها باب السيارة، فصعدت وجلست بجواره.
سألته:
ــ قالك العنوان؟
رد وهو يدير المحرك:
ــ بعتلي اللوكيشن على واتساب.
وصلوا إلى مكان الاحتفال. قال عاصم:
ــ لو تحبي، نروح نقعد في مكان لحد ما يخلص ويتصل بينا.
ترددت جميلة قليلًا... فرفضها قد يبدو وقاحة، وقبولها قد يفتح بابًا لا تريد فتحه.
قالت بهدوء:
ــ بس يكون مكان قريب.
أومأ عاصم:
ــ تمام... هدخله بس الأول وأتأكد إن كل حاجة تمام.
فتح الباب الخلفي وأخرج سيف، ثم فتح حقيبة السيارة وأخرج علبتين هدايا.
قال لسيف بابتسامة:
ــ ينفع تقدم دول لأصحابك؟
احتضنه سيف وأخذ منه الهدايا. نظرت له جميلة بإحراج:
ــ يا خبر! أنا نسيت أجيب هدايا لأصحابه.
ردّ عاصم بثقة:
ــ طول ما انتي معايا، متقلقيش من حاجة... أنا دايمًا بركز.
ارتبكت، فابتسم وقال:
ــ هدخله وأرجع لك.
...
المشهد الثانى
في الكافيه، جلست جميلة متوترة، تفرك يديها تحت الطاولة، بينما نظر لها عاصم متأملاً.
قال:
ــ ليه كل التوتر ده؟
ابتسمت بخجل:
ــ مش عارفة... دكتور عاصم، أنا...
قاطعها برقة:
ــ نبدأ رسمي ليه كده؟
ضحكت وقالت:
ــ أكيد أي دكتور يحب يسمع لقبه.
رد بسرعة:
ــ يسمعه من أي حد... بس مش من البنت اللي بحبها.
نظرت له بارتباك:
ــ بتقول إيه؟
قال بهدوء:
ــ أنا بحبك... وبفهم إنك بتهربي ومش عاوزة العلاقة دي، بس صدقيني أنا رجعت علشانك... من زمان، من قبل ما أبقى دكتور، من قبل ما أسافر... كنتِ دايمًا فتاة أحلامي.
نظر لها طويلا كانه يعيد صياغة الكلمات او انه اراد ان يفصح لها عن كل شيء
قال عاصم وقد تلوّن صوته بخليط من الحنين والحسم:
ــ أنا مش زى عقلك ما صور لك شوفت ست جميلة و اتشدت لها... أنا بحبك من زمان، من يوم كنا نلعب عروسة وعريس على السلم...
وقتها انتي كنتي تضحكي، وأنا كنت باتخيّلك مراتي بجد.
قاطعته جميلة بخجل وهي تتظاهر بالهدوء:
ــ لعب عيال ... لو كل اتنين لعبوا اللعبة دي وهم صغيرين وافتكروا إن لازم يتجوزوا، مكنش حد اتجوز حد تاني.
قال بصوت خافت لكنه عميق:
ــ يمكن بالنسبة لك لعبة... لكن بالنسبالي كانت بداية حلم و رجعت لحلمي يا جميلة.
سكت لحظة، ثم تابع بنبرة أكثر وجعًا:
ــ لما أمي وأبويا اتطلقوا وسافرت مع أبويا، كنت فاكر إن في كل أجازة هرجع أشوفك، بس فجأة كل حاجة اتغيرت... أمي ماتت، واتقطع كل خيط بيربطني بيكي.
أخفض نظره وهو يكمل:
ــ يوم قررت أقول لأبويا إني عايز أتقدملك، دخلت على إنستجرام لاقيت دعوة فرحك... كنت باتقطع من جوايا ....انتي متخيلة حد بتحبه هيبقي مع حد تانى مش معك.
دخلت طب نفسي... عشان كنت محتاج أعالج نفسي من غيابك، لكن فشلت.
نظرت له جميلة وقد غمرتها مشاعر مختلطة بين التأثر والتوتر، لكنه لم يمهلها الحديث وأكمل:
ــ كنت بتابع كل حاجة... صور أولادك، لحظات تعبك، حزنك، فرحك... ولما عرفت إنك اتطلقت، قررت أرجع... مش بس علشان أفتّش عن حب قديم، لكن علشان آخد حقي .....انتى كنت حقي الضائع ياجميلة.
نظر إليها بترقب ثم قال:
ــ أحمد قال إنك بتشتغلي مع واحد كان زميلك... أوعي تقولي إن في بينكم حاجة.
ضحكت جميلة رغم ارتباكها:
ــ غيرة؟ بجد؟!
قال بجديّة:
ــ ردي عليا، في حاجة بينكم؟
أجابت بسرعة:
ــ لأ... هو وزوجته زميلي من الجامعة، ولما طلقت، وقفوا جنبي ولاقوا لي شغل... علشان كنت هكتئب بس كده.
تنفس وقال مبتسمًا:
ــ الحمد لله.
قالت بسخرية لطيفة:
ــ فرحان علشان كنت مكتئبة واشتغلت؟!
رد بنفس ابتسامته الواثقة:
ــ طبعًا لأ... فرحان علشان مفيش حد في حياتك... وقلبي هيكون له مكان عندك ان شاء الله.
خفضت عينيها، وقالت بصوت مرتعش:
ــ بصراحة... أنا خارجة من علاقة صعبة جدًا، ومفيش طاقة عندي أبدأ حاجة جديدة.
قال بهدوء وهو يميل للأمام:
ــ إنت ماعندكيش طاقة...مش انتِ مش عايزة، وده فرق كبير.
نظرت إليه وقالت:
ــ وانت ليه تربط نفسك بوحدة ممكن تضغطك وتزيد مسؤولياتك؟
قال وهو يبتسم بثقة:
ــ لأني عارف إني هبقى مرتاح... حتى وسط المسؤوليات.
اللي بيحب بيفرح بالتعب... وانا بحبك.
قالت ضاحكة:
ــ ده حب ولا جنان؟
رد بنفس الضحكة:
ــ لا... ده حلم عمري، وكنت مستني اللحظة دي من سنين.
رنّ هاتفها، فنظرت فيه وقالت:
ــ سيف بيتصل... أكيد خلص.
قال عاصم وهو ينهض:
ــ أول وعد، أنا جاي أبني حياة... يا جميلة، أنا هعرف أخلي قلبك يحبني... زي ما قلبي حبك.
نظرت له طويلة، ولم تجد الكلمات... فقط، ابتسامة خفيفة على شفتيها، بينما في داخلها مشاعر كثيرة تتحرك للمرة الأولى منذ زمن طويل.
المشهد الثالث
في غرفة هادئة يغمرها ضوء خافت من المصباح الجانبي، كانت جميلة ممددة على سريرها، تحتضن وسادتها، والهاتف ملتصق بأذنها، تحادث هند التي لم تخذلها يومًا.
قالت جميلة بصوت متهدّج بالدهشة:
ــ فجأة كده؟! ييجي يعرض حبه بعد كل السنين دي!
ردت هند، وعلى نبرتها ابتسامة باينة حتى لو مش شوفتها:
ــ ما هو واضح إنه مغروم من زمان، وبعدين لما أحمد قاله إنك بتشتغلي عند زميلك القديم، شكله خاف يكون فيه حاجة بينكم. بس بصراحة... ليه ما قولتِلوش إنك بتحبيه؟
ضحكت جميلة ضحكة قصيرة وسريعة، كأنها بتحاول تنفي الفكرة:
ــ إنتي بتهزري؟ داه كان حب طفولة.
ضحكت هند وقالت بخفة دم:
ــ ما هو سافر وشاف بلاد بره ورجع لسه شايلك في قلبه. يعني قليل عليه يسمع منك كلمتين حلوين؟
تنهدت جميلة:
ــ أنا خايفة يا هند... مش عارفة ولادي هيتقبلوا حاجة زي كده ولا لأ.
قالت هند بلطف:
ــ إن شاء الله خير، حبيبتي...
يلا، نامي دلوقتي عشان شغلك بكرة.
ابتسمت جميلة وقالت بصوت ناعم:
ــ تصبحين على خير يا هند.
ردت هند:
ــ وإنتِ من أهله، يا قلب هند.
اغلقت الهاتف لتبدء حلماً تود ان يسير حقيقة ما اجمل القلوب حين تحب وما اروع ان يصبح حلمك حقيقه!