الفصل الثالث:داخــل الـســجـن
لم أعد أستطيع تمييز متى بدأت الغرفة تضيق… أو هل هي الغرفة أصلًا.
كل شيء صار يشبه سجنًا لا جدران له، لكنك تشعر به في صدرك، في رأسك، في طريقة تنفسك. كأن المساحة التي بداخلي انكمشت فجأة، وتركتني عالقة في مكان لا يرحم.
كنت أجلس لساعات دون أن أفعل شيئًا.
ليس لأنني مرتاحة… بل لأن الحركة نفسها أصبحت ثقيلة، كأن كل خطوة تحتاج قرارًا أكبر من قدرتي.
الأفكار لم تعد تأتي بشكل طبيعي.
بل أصبحت كأصوات متداخلة، لا أعرف أيها لي وأيها ليس لي.
مرة أقول لنفسي: “قومي.”
ومرة أخرى… لا أحد يرد.
أو ربما هناك من يرد، لكن بصوت مختلف.
بدأت ألاحظ شيئًا أخطر من كل ما سبق.
أنني لم أعد أنا التي تقرر فقط… بل هناك “شيء” داخل قراراتي.
كأن هناك حضورًا ثانيًا يشارك كل فكرة، وكل رد فعل، وكل شعور.
أحيانًا أكون متأكدة من شيء… وفجأة أجد نفسي أفعله بطريقة مختلفة تمامًا، دون أن أفهم لماذا.
وهنا بدأ السجن الحقيقي.
لأن السجن ليس أن تُمنع من الحركة…
السجن أن تفقد الثقة بنفسك.
أصبحتُ أشك في كل شيء.
هل هذا شعوري الحقيقي؟
هل هذا قراري؟
هل هذا أنا أصلًا؟
حتى مرآتي صارت غريبة.
أرى نفسي، لكنني لا أشعر أنني هي بالكامل.
كأن هناك طبقة غير مرئية بيني وبين الصورة.
وفي الليل… يصبح الأمر أسوأ.
الصمت لا يعود صمتًا.
بل يتحول إلى شيء ثقيل، كأنه يراقبني.
كنت أسمع أفكاري بشكل أوضح من صوت العالم.
وأحيانًا… أشعر أن هناك ردودًا تأتي قبل أن أفكر أصلًا.
ليس صوتًا خارجيًا.
بل شيء أقرب إلى “فكرة لا تخصني”.
حاولت أن أقاوم.
حاولت أن أخرج، أن أعيش بشكل طبيعي، أن أتصرف كأن شيئًا لم يحدث.
لكن كل محاولة كانت ترجعني خطوة إلى الداخل أكثر.
حتى بدأت أفهم الحقيقة البسيطة والمخيفة:
أنا لا أعيش في انطواء فقط…
أنا أعيش داخل نفسي، لكن نفسي لم تعد مكانًا واحدًا.
صار هناك أكثر من “أنا”.
أنا التي تحاول أن تبقى.
و“أنا” أخرى لا أفهمها… لكنها موجودة.
وفي تلك اللحظة، لم يعد السؤال: ماذا يحدث لي؟
بل أصبح: من الذي يحدث لي؟