الفصل الرابع:مـعــركـة الـعلاج
في البداية، ظننت أن الحل بسيط.
مجرد خطوة واحدة نحو الخارج، نحو شخص يفهم، نحو شيء اسمه “مساعدة”. لكنني لم أكن أعرف أن الخروج من الداخل… أصعب من الدخول إليه.
ذهبت وأنا أحمل شيئًا لا يُرى.
ليس وجعًا واضحًا، بل فوضى مرتبة بشكل غريب داخل رأسي. كنت أريد أن أشرح، لكن الكلمات نفسها كانت تتعثر داخلي قبل أن تصل إلى لساني.
جلست أمام من يُفترض أنه سيساعدني.
سألني أسئلة عادية.
“منذ متى بدأ هذا؟”
“ماذا تشعرين؟”
“هل هناك ضغط؟”
لكن كل سؤال كان يفتح بابًا آخر داخل رأسي، بدل أن يجيبني.
كيف أشرح شيئًا لا أستطيع حتى تسميته؟
كيف أصف شعورًا أحيانًا يكون أنا… وأحيانًا ليس أنا؟
حاولت.
قلت القليل.
صمتّ كثيرًا.
وضعت يدي في حضني وكأنني أُمسك نفسي حتى لا أضيع أكثر.
لكن في داخلي… كان هناك صراع لا يتوقف.
جزء مني يريد أن ينجو.
وجزء آخر… لا أعرفه جيدًا، لكنه يقاوم فكرة النجاة أصلًا.
قالوا لي كلمات مثل: تعب، قلق، ضغط نفسي.
كلمات منطقية، مرتبة، واضحة.
لكن ما كنت أشعر به لم يكن مرتّبًا ولا واضحًا.
كان يشبه غرفة تتغير جدرانها كل دقيقة.
تشبه فكرة تتبدل قبل أن تكتمل.
تشبه “أنا” تتراجع خطوة كلما حاولت أن أفهمها.
بدأت المحاولات.
روتين.
نوم.
تنظيم أفكار.
جلسات.
كلمات تهدئة.
في كل مرة، كنت أحاول أن أتماسك…
وفي كل مرة، كان شيء داخلي يقول لي بصمت: “لن ينجح هذا بالكامل.”
لم يكن رفضًا واضحًا.
بل مقاومة هادئة، كأن داخلي لا يريد أن يُعاد ترتيبه.
كنت أخرج أحيانًا وأشعر بتحسن صغير…
ثم يعود كل شيء فجأة، كما لو أنني لم أتقدم خطوة أصلًا.
أسوأ ما في الأمر لم يكن الألم.
بل عدم الثبات.
أن لا تعرف هل أنت تتحسن… أم تتراجع.
هل هذا بداية خروج… أم تعمّق في الداخل أكثر؟
وفي إحدى الليالي، وصلت لمرحلة لم أعد أستطيع فيها التمييز بين ما أعيشه وما أفكر فيه.
كنت مستلقية، أراقب السقف، وفجأة شعرت بشيء واضح جدًا:
أنا لا أُعالج شيئًا فقط…
أنا أحاول التفاوض مع نفسي.
ونفسي… ليست متفقة معي.
وهنا بدأت المعركة الحقيقية.
ليس بيني وبين العالم.
بل بيني وبين داخلي الذي لا يهدأ.