مـقــدمـة
لم يحدث الأمر كما تتوقعون… لم يكن سقوطًا واضحًا، ولا لحظة يمكنني الإشارة إليها وأقول: “هنا بدأت النهاية”.
بل كان شيئًا أهدأ من ذلك بكثير… وأخطر.
بدأتُ أختفي من نفسي دون أن ألاحظ.
ليس اختفاءً جسديًا، بل شيء أعمق… كأنني أبتعد عن داخلي خطوة بعد خطوة، حتى صار الصوت الذي في رأسي لا يشبهني تمامًا، وصار الصمت الذي حولي أكثر امتلاءً من أي كلام يمكن أن يُقال.
في البداية، ظننتُ أن الأمر مجرد تعب.
كل الناس تتعب، كل الناس تمر بلحظات صمت وانسحاب. كنت أضحك على الفكرة: “سيمرّ، فقط مرحلة”.
لكن المراحل لا تتحول إلى سجن.
لم يكن الانطواء الذي عرفته مثل ما كنت أسمعه عن الآخرين. لم يكن هدوءًا مريحًا أو عزلة اختيارية. كان شيئًا آخر… شيئًا يزحف بهدوء داخلي، يغلق الأبواب واحدة تلو الأخرى دون أن يطلب الإذن.
أذكر أول مرة شعرت فيها أنني لست وحدي داخلي.
ليس بمعنى جميل أو خيالي… بل بمعنى مخيف، كأن هناك جزءًا آخر بدأ يراقبني، يفهمني أكثر مما أفهم نفسي، ثم بدأ… يسبقني في ردود أفعالي.
كنت أقول شيئًا في داخلي، لكنه يخرج بصوت مختلف.
كنت أريد أن أضحك، لكن وجهي لا يتجاوب.
كنت أريد أن أهرب، لكن جسدي يبقى مكانه كأنه لم يعد تابعًا لي.
وهكذا بدأت المعركة الأولى… دون إعلان.
لم يخبرني أحد أن النفس يمكن أن تنقلب على صاحبها.
لم يخبرني أحد أن الانطواء قد لا يكون انسحابًا من العالم… بل دخولًا إلى سجن لا أبواب له.
ومع الوقت، لم أعد أعرف أين ينتهي “أنا” وأين يبدأ الشيء الآخر الذي يسكنني.
هل هو جزء مني؟ أم أنني أنا من أصبح جزءًا منه؟
كل ما أعرفه الآن… أنني لم أعد كما كنت، وأن الخروج لم يعد فكرة بسيطة كما يتخيلها الآخرون.
ربما هذه ليست قصة عن الانطواء فقط.
ربما هي قصة عن شيء يبدأ بصمت… ثم يقرر أن لا ينتهي أبدًا.