نيراثيل الاميره المنبوذه - الجزيرة الرمادية - بقلم بيسان محمد - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: نيراثيل الاميره المنبوذه
المؤلف / الكاتب: بيسان محمد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الجزيرة الرمادية

الجزيرة الرمادية

الضباب كان كثيفًا، يغطي البحر كالستار الرمادي. ولكن على الأفق، ظهرت أطراف الجزيرة الرمادية، صخورها الحادة تلمع تحت أشعة الشمس الخافتة، والغابات الداكنة تمتد كما لو أنها تحرس شيئًا منذ قرون. إيلاريا—نيراثيل—وقفت عند مقدمة السفينة، عيناها الفضيتان تتأملان الجزيرة، قلبها ينبض بسرعة، وقطعة الأحجية في يدها تتوهج بخفوت. كايرن اقترب منها، صوته هادئ لكنه صارم: — «هنا ستبدأ المرحلة الحقيقية. كل شيء على الجزيرة… سيختبركِ. كل شيء.» — «هل سيختبرني البحر أيضًا؟» همست. ابتسم ابتسامة خفيفة، لم تكن مستفزة: — «البحر؟ هو جزء منك الآن. أما الجزيرة… فهي اختبار لكل شيء آخر.» هبطت السفينة عند شاطئ صخري ضيق، الصخور حادة، والمياه تلتهم الأقدام التي تحاول الاقتراب. الضباب جعل كل شيء يبدو وكأنه عالم آخر. الطاقم، رغم شجاعتهم، ترددوا للحظة. — «سيدي… هل نحن متأكدون أننا نريد النزول هنا؟» قال أحد البحّارة. كايرن نظر إليهم بحدة: — «من لا يجرؤ على مواجهة ما ينتظر… عليه البقاء على السفينة.» نظر إلى إيلاريا، صوته أهدأ: — «أنتِ الوحيدة التي تستطيع فتح الطريق.» نزلت خطوة بخطوة، القطعة في يدها تتوهج أكثر، وكأنها تتفاعل مع المكان. الضباب بدأ ينجلي قليلاً، وكشفت الأشجار عن رموز محفورة على جذوعها، حروف قديمة لم تفهمها تمامًا، لكنها شعرت بها… كأن الدم القديم يعرفها. — «هذه الرموز…» همست، «إنها تشبه القطعة.» كايرن اقترب منها: — «تمامًا… كل خطوة تقودكِ إلى الحقيقة.» فجأة، ظهرت ضبابية أمامهم، شكل شبه بشري، لا يمكن رؤية ملامحه بوضوح، يتحرك بسلاسة بين الأشجار. صرخ أحد البحّارة: — «ما هذا؟!» لكن إيلاريا رفعت يدها، قطعة الأحجية تتوهج بشدة، والضبابية توقفت، كما لو أنها تعرفت عليها. صوت داخلي قال لها: نيراثيل… اختر من تثق به… فالولاء يُختبر هنا أولًا. تقدمت ببطء، كل خطوة أقوى من السابقة، حتى وصلت أمام الضبابية. وضعت القطعة على الأرض، والرموز على الأشجار بدأت تتوهج أكثر، وكأنها تتكلم معها. كايرن نظر إليها: — «تذكري… كل ما تفعليه سيكشف من يستحق البقاء بجانبك، ومن لا يستحق.» التفت الطاقم إليها، بعضهم متردد، وبعضهم يحدق باندهاش. إيلاريا شعرت بثقل المسؤولية، لكنها لم تتراجع. رفعت رأسها وقالت بصوت ثابت: — «من يريد أن يكون معي… الآن هو الوقت لإثبات ولائه.» في تلك اللحظة، تحركت الضبابية، وكأنها تقيس القلب قبل الحركة، وعينيها تلمعان كأنهما يعرفان كل الأسرار. كان واضحًا أن الجزيرة الرمادية ليست مجرد مكان… إنها محكمة لكل روح صادقة أو مخادعة. وكل خطوة هنا ستقرر من سيبقى، ومن سيسقط. نظرت إيلاريا إلى كايرن، وقالت: — «هل أنت معي؟» ابتسم، هذه المرة بلا استفزاز، وقال: — «أنا معك… حتى النهاية.» وفي لحظة واحدة، اختفى الضباب حولهم، وأصبحوا واقفين أمام ممر مظلم يؤدي إلى قلب الجزيرة، حيث الأسرار القديمة تنتظر من يجرؤ على كشفها.