الحقيقة الأولى
الفجر أطل على البحر كأنه يرسم صفحة جديدة، مغطاة بضباب فاتح.
نذير العاصفة تحركت بهدوء بعد ليلة مطاردة شديدة، الأمواج تتلاعب بالسطح، والريح خفّت قليلًا، تاركة مساحة للهدوء الذي يسبق كشف الأسرار.
إيلاريا—أو نيراثيل كما صار اسمها الآن—وقفت عند مقدمة السفينة، قطعة الأحجية في يدها، تنظر إليها كما لو كانت مرآة تكشف عن شيء أعمق في داخلها.
كايرن جاء خلفها، صامتًا، خطواته الثقيلة على الخشب لم تزعجها.
— «ستعرفين الآن…» قال بصوت منخفض، «لماذا التاج أرادها أكثر من أي شيء آخر.»
رفعت عيناها نحوه: — «ماذا تقصد؟»
جلس بجانبها على الحافة، ونظر إلى البحر بعيدًا: — «قطعة الأحجية ليست مجرد ملكية ملكية…»
— «إنها مفتاح لمكان مخفي داخل البلاط… غرفة لم يجرؤ أحد على دخولها منذ قرون.»
شهقت إيلاريا: — «غرفة؟ وما علاقتها بي؟»
ابتسم ابتسامة باردة، لم تكن مستفزة هذه المرة، بل حاملة لمعنى:
— «لأن دمكِ وحده قادر على فتحها.»
مد يده، وأخذ القطعة منها، وضعها في لوحة صغيرة على السطح، وبدأ الرموز تتحرك وتضيء على الفور، تشكل خطوطًا جديدة، وكأنها تشير إلى موقع محدد.
— «انظري.» قال. «هذا المكان ليس في أي خريطة. البلاط نفسه حاول محوه.»
— «لماذا؟» همست إيلاريا، وشعرت بقشعريرة تسري في جسدها.
— «لأنه يحتوي على الحقيقة…» أشار إلى الرموز المتوهجة. «…الحقيقة التي سيقتل التاج لحمايتها.»
سكتت للحظة، ثم قالت: — «أعني، لماذا أنا؟ لماذا كل هذا يهم الدم القديم؟»
نظر إليها مباشرة، عيناه الفضية تعكس شدة البحر:
— «لأن دمكِ ليس دمًا عاديًا… إنه دم سلالة كانت تحرس أسرار البلاط. سر يجعل التاج يخاف كل ثانية.»
اقترب منها أكثر، صوته صار منخفضًا:
— «وإذا نجحتِ، فلن تكوني مجرد أميرة منبوذة… بل الشخص الذي يمكن أن يغير كل شيء.»
مدّت يدها لتلمس القطعة، شعرت بالنبض القديم يعود، أقوى من أي وقت مضى، وكأن كل جزء من جسدها يستجيب لها: البحر، الرياح، حتى السفينة نفسها.
وفجأة، اهتزت السفينة اهتزازًا خفيفًا، لم يكن بسبب الرياح.
صوت خافت، كهمسٍ بعيد: — نيراثيل… اتبعي الطريق…
شهقت، فقد شعرت أن القطعة نفسها تحدثت معها: تدعوها لاكتشاف الحقيقة الأولى.
كايرن نظر إليها، نبرة صوته صارمة: — «الآن… ستختبرين قدرتك على اتخاذ القرار. الطريق الذي ستختارينه سيحدد مصيرنا جميعًا.»
— «ماذا علي أن أفعل؟» قالت وهي تمسك القطعة بإحكام.
ابتسم، نظرة حادة كالسهام: — «اتبع قلبك… وإذا كنتِ صادقة مع نفسك… ستعرفين الطريق.»
قفزت إيلاريا على الطاولة، قطعة الأحجية في يدها، وعيناها الفضيتان تحدقان في الرموز المتوهجة.
شعرت أن كل شيء أصبح واضحًا:
— لا خوف بعد الآن.
— لا تراجع.
— والبحر كله—حتى نذير العاصفة نفسها—يساندها.
في تلك اللحظة، لم تكن مجرد أميرة أو قرصانة.
كانت الشخص الذي سيكشف الحقيقة الأولى، ويبدأ سلسلة من الأسرار التي سيصعب إخفاؤها عن التاج… أو عن العالم.