السفينة السوداء
كانت نذير العاصفة تبدو مختلفة عند الفجر.
الضباب التفّ حولها كثوبٍ رمادي ثقيل، يخفي حدود البحر والسماء، ويجعل السفينة السوداء كأنها كيان منفصل عن العالم. الأشرعة كانت مرفوعة جزئيًا، تتنفس مع الريح، والطاقم يتحرك بصمتٍ مشدود.
إيلاريا—نيراثيل—وقفت قرب الصارية الرئيسية، تراقب الرجال وهم يشدّون الحبال. بعضهم يتجنب النظر إليها، وبعضهم يحدق طويلًا، وكأنهم يحاولون رؤية الوحش الذي خافوا منه… فلا يجدون سوى امرأة واقفة بثبات.
اقترب كايرن، معطفه يتمايل مع الريح. — «السفينة تشعر بالمطاردة.»
نظرت إليه. — «السفينة؟»
— «نذير العاصفة لا تحب أن تُلاحق.»
قالها وكأنه يتحدث عن مخلوق حي.
في تلك اللحظة، صرخ أحد البحّارة من أعلى الصارية: — «سفن في الخلف! راية ملكية!»
تحرّك الهواء.
الرجال توتروا، الأيدي قرب السيوف، والأنفاس ثقلت.
اقترب كايرن من حافة السفينة، حدّق في الضباب. — «كم واحدة؟»
— «ثلاث… وربما أكثر خلفها.»
ابتسم ابتسامة باردة. — «أكثر مما يحتاجون لاصطياد قرصان واحد.»
ثم التفت إلى الطاقم: — «اسمعوني جيدًا. من أراد القفز الآن، فليفعل.»
لم يتحرك أحد.
— «ومن بقي… فلن ينظر خلفه.»
ضرب كعب حذائه أرض السفينة. — «ارفعوا الأشرعة كاملة.»
اندفعت نذير العاصفة للأمام، كأنها استجابت لأمر لم يُنطق.
الضباب تخلخل، وظهرت السفن الملكية، أنيقة، مطلية بألوان التاج، لكنها ثقيلة… بطيئة.
— «إنهم يقتربون!» صرخ أحدهم.
التفت كايرن إلى إيلاريا. — «هل تستطيعين الشعور بالبحر؟»
ترددت. — «لا أفهمه… لكنه يسمعني.»
— «هذا يكفي.»
أشار إلى المقدمة. — «تقدّمي.»
تقدّمت، خطواتها ثابتة رغم العيون التي تراقبها. وقفت عند الحافة، والهواء البارد ضرب وجهها.
أخرجت قطعة الأحجية.
اهتزت السفينة قليلًا.
— «نيراثيل…» همس البحر في داخلها.
أغمضت عينيها. — «أنا لا أطلب السيطرة.»
— «أطلب المرور.»
انفجرت الريح فجأة.
الأشرعة امتلأت، والسفينة انطلقت بسرعة غير طبيعية، تاركة السفن الملكية تتخبط في التيار.
— «بحق الجحيم…» تمتم أحد القراصنة.
لكن التاج لم يكن غبيًا.
دوّى صوت مدفع، وسقطت كرة حديدية في الماء قربهم، فارتفعت أمواج قوية كادت تبتلع المقدمة.
صرخ أحد الرجال: — «سنُصاب!»
كايرن صاح: — «استعدوا للانعطاف!»
نظرت إيلاريا إلى البحر، وشعرت بذلك النبض القديم يتصاعد. — «إلى اليسار.»
لم يسألها كايرن لماذا.
— «إلى اليسار!» كرر أوامره.
انحرفت السفينة فجأة، وفي اللحظة التالية، انفجرت قذيفة حيث كانت ستقف قبل ثوانٍ.
ساد صمت قصير… ثم ضحك أحد القراصنة. — «اللعنة تقاتل معنا!»
التفتت إيلاريا بحدة. — «ليست لعنة.»
قال كايرن بصوت حاسم: — «وهي ليست سلاحًا لكم.»
ساد الصمت من جديد.
مع حلول المساء، تلاشت السفن الملكية في الأفق، عاجزة عن اللحاق.
تنفس الطاقم أخيرًا.
وقف كايرن عند الدفّة، نظر إلى رجاله. — «اليوم، لم ننجُ لأننا أسرع.»
— «بل لأننا وثقنا بمن اعتبرها التاج خطأ.»
نظر إلى إيلاريا. — «من يريد الرحيل عند أول جزيرة… فليقل الآن.»
لم يقل أحد شيئًا.
اقترب أحد الرجال، انحنى قليلًا لإيلاريا. — «سيدتي… البحر استجاب لكِ.»
لم تعرف ماذا تقول.
اكتفت بهز رأسها.
في الليل، وقف كايرن بجانبها عند السور.
— «اليوم، لم تكوني أميرة.»
قالها بهدوء.
— «ولا قرصانة.»
أضاف: — «كنتِ السفينة نفسها.»
نظرت إليه. — «وهذا يخيفك.»
ابتسم نصف ابتسامة. — «كل ما لا يخضع… يخيف.»
سكت لحظة، ثم قال: — «الجزيرة الرمادية باتت قريبة.»
نظرت إلى الظلام أمامهم. — «وماذا ينتظرنا هناك؟»
أجاب دون أن يشيح بنظره: — «شيء سيحاول كسرنا.»
ثم أضاف: — «أو كشفنا.»
وفي قلب الضباب،
كانت السفينة السوداء تمضي،
تحمل أميرة لم تعد منبوذة…
بل مُلاحَظة.