نيراثيل الاميره المنبوذه - قطعة الأحجية - بقلم بيسان محمد - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: نيراثيل الاميره المنبوذه
المؤلف / الكاتب: بيسان محمد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: قطعة الأحجية

قطعة الأحجية

لم يكن الليل ليلًا عاديًا. السماء بدت أثقل من المعتاد، والنجوم خافتة كأنها تخشى النظر إلى ما يحدث فوق نذير العاصفة. البحر تغيّر صوته؛ لم يعد مجرد أمواج تضرب الخشب، بل همس طويل، عميق، كأنه يتحدث بلغة لا يفهمها سوى القليلين. إيلاريا لم تنم. جلست في المقصورة، قطعة الأحجية أمامها على الطاولة، تتوهج بخفوت غير ثابت، كأنها تتنفس. الضوء المنبعث منها لم يكن قويًا، لكنه كان كافيًا ليجعل الظلال على الجدران تتحرك بقلق. مدّت يدها ببطء. في اللحظة التي لامست فيها الحجر، انقبض صدرها، وشعرت بذلك النبض القديم يعود… أقوى. — «اهدئي…» همست لنفسها، لكنها لم تكن متأكدة إن كانت تخاطب قلبها أم القطعة. فجأة، تغيّر الرمز. الخطوط المنقوشة بدأت تتحرك، تنفصل، ثم تعود لتتشكل من جديد، كأن الحجر يعيد كتابة نفسه. ظهرت صورة… دائرة يتوسطها شكل شبيه بالتاج، لكنه مكسور من المنتصف. ثم صوت. ليس مسموعًا بالأذن… بل داخل رأسها. الدم الذي أُخفي… سيُطالب باسمه. شهقت وسحبت يدها بسرعة، فاختفى الضوء فورًا، وعاد الحجر جامدًا كما كان. في تلك اللحظة، فُتح باب المقصورة بقوة. — «إيلاريا.» كان كايرن. نظر إليها، ثم إلى القطعة، فعرف. — «بدأت.» وقفت بسرعة. — «الرمز تغيّر. تحدث…» قاطعها بصوت حاد: — «أعلم.» اقترب منها، نبرة صوته لم تعد باردة كما اعتادت. — «هذا يعني أننا لم نعد وحدنا.» — «ماذا تقصد؟» قبل أن يجيب، اهتزت السفينة اهتزازًا عنيفًا. صرخ أحد البحّارة من السطح: — «سيدي! التيار تغيّر فجأة!» اندفع كايرن خارج المقصورة، ولحقت به إيلاريا. على السطح، كان المشهد غير طبيعي. الماء من حول السفينة أصبح أغمق، كأنه حبر يُسكب في البحر. الأمواج لم تكن عالية، لكنها كانت تتحرك باتجاه واحد… نحوهم. — «هذا ليس طقسًا.» قال أحد القراصنة بخوف مكتوم. كايرن شد قبضته على السور. — «لا.» نظر إلى إيلاريا. — «القطعة تنادي.» — «تنادي من؟» قبل أن يجيب، ارتفع شيء من الماء. ليس مخلوقًا كاملًا… بل ظل، شكل غير واضح، عينان مضيئتان للحظة، ثم اختفى تحت السطح. تراجع بعض الرجال. — «بحق البحر… ما هذا؟» قال كايرن بصوت منخفض: — «حرّاس الأحجية.» نظرت إليه بصدمة. — «حرّاس؟» — «أشياء خُلقت لتمنع اكتمال القطع… أو لتختبر من يحملها.» اقترب منها، صوته صار أكثر جدية: — «هل سمعتِ شيئًا؟» ترددت، ثم قالت: — «قال إن الدم سيطالب باسمه.» لمعت عيناه. — «إذن بدأت المرحلة الثانية.» — «مرحلة ماذا؟» — «الاختيار.» في تلك اللحظة، اندفعت موجة قوية نحو السفينة، كادت تطيح ببعض الرجال. صرخ كايرن: — «ثبتوا الأشرعة! لا تدعوا السفينة تنحرف!» ثم التفت إلى إيلاريا. — «أمسكي القطعة.» — «ماذا؟» — «الآن!» أخرجت القطعة من عباءتها. ما إن ظهرت للهواء، حتى اشتد توهجها، وارتفع الصوت في رأسها مرة أخرى. قولي الاسم. تشنجت. — «أي اسم؟» اقترب الظل من جديد، أقرب هذه المرة، والماء بدأ يدور حول السفينة في حلقة ضيقة. — «إيلاريا!» صرخ كايرن. «إن لم تفعلي شيئًا، ستبتلعنا المياه!» أغمضت عينيها. كل الصور اجتاحت عقلها: القصر… الهمسات… النظرات… ثم صوت آخر، أقدم، أعمق، كأنه قادم من دمها نفسه. اسمكِ ليس ما أعطوكِ. فتحت عينيها، وصرخت دون أن تفهم كيف عرفت: — «اسمي… نيراثيل.» توقف كل شيء. الماء سكن فجأة، والظل تلاشى، والقطعة أضاءت بقوة ثم خمدت، تاركة الرمز منقسمًا نصفين… كأنه ينتظر البقية. ساد صمت ثقيل. حدّق الجميع بها. أما كايرن، فلم يبتسم. قال بهدوءٍ خطير: — «إذن… اللعنة لم تكن كذبة.» اقترب منها خطوة. — «لقد أيقظتِ ما دفنه التاج منذ قرون.» نظرت إلى القطعة، ثم إلى البحر. — «ماذا يعني هذا؟» أجاب بصوت منخفض: — «يعني أن الجزيرة الرمادية لن تكون مجرد محطة.» — «بل بداية حرب…» ثم أضاف، وهو ينظر إلى الأفق المظلم: — «والتاج سيشعر الآن… بأن الأميرة المنبوذة لم تعد صامتة.»