نيراثيل الاميره المنبوذه - مهمة باسم التاج - بقلم بيسان محمد - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: نيراثيل الاميره المنبوذه
المؤلف / الكاتب: بيسان محمد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: مهمة باسم التاج

مهمة باسم التاج

لم يكن البحر هادئًا حين ابتعدت نذير العاصفة عن الميناء، وكأن الأمواج نفسها تعترض على ما حدث… أو تحرسه. وقفت إيلاريا عند السور الخشبي، عباءتها ترفرف خلفها، وعيناها معلقتان بخط الأفق حيث تلاشت أبراج مدينتها. لم تشعر بالحنين. شعرت بشيء أشبه بالتحرر الممزوج بالخوف. — «لا تنظري خلفكِ طويلًا.» قالها كايرن وهو يقف إلى جوارها، صوته هادئ كعادته. — «المدن لا تحب من يتركها.» لم ترد. كانت لا تزال تحاول فهم كيف تحولت مهمة رسمية إلى هروب بحري على متن سفينة قرصنة. استدارت نحوه: — «قلت إنك تعمل أحيانًا باسم التاج.» رفع حاجبًا. — «وأنا أفعل.» — «إذن لماذا تطاردنا سفنه؟» ابتسم، تلك الابتسامة المستفزة التي بدت وكأنها توقيع شخصي. — «لأن التاج لا يحب الشهود.» سارت معه نحو مؤخرة السفينة، حيث كانت خريطة كبيرة ممدودة على طاولة خشبية، مثبتة بحجر ثقيل. رموز وخطوط وملاحظات مكتوبة بأيدٍ مختلفة، بعضها بدا حديثًا، وبعضها قديماً حدّ التآكل. أشار كايرن إلى نقطة محددة. — «هنا… الجزيرة الرمادية.» — «ليست ضمن خرائط المملكة.» — «بالضبط.» نظرت إليه. — «ما علاقتها بالمهمة؟» وضع إصبعه على الرمز ذاته المنقوش على قطعة الأحجية. — «هنا خُبئ الجزء الثاني.» تصلبت. — «إذن التاج يعرف؟» ضحك ضحكة قصيرة. — «التاج يعرف بوجود القطع… لا بحقيقتها.» اقترب منها أكثر، صوته انخفض: — «مهمتكِ الرسمية هي استعادة ملكية ملكية.» — «أما مهمتكِ الحقيقية… فهي أن لا تعودي بها كاملة.» حدقت فيه. — «تطلب مني خيانة مباشرة.» — «أطلب منكِ النجاة.» ساد صمت ثقيل، قطعه صوت الأمواج فقط. قالت أخيرًا: — «إن رفضت؟» نظر إليها طويلًا، تلك النظرة الباردة التي لا تُظهر شفقة. — «سأعيدكِ إلى أقرب ميناء.» — «وسيُقال إن القرصان قتل الأميرة الملعونة.» شعرت بقشعريرة، لا من تهديده… بل من واقعيته. — «لماذا تساعدني؟» سؤالها خرج أخف مما قصدت. لم يجب فورًا. نظر إلى البحر، ثم قال: — «لأنني رأيت ما يحدث حين تُكسر الحقيقة.» — «ولأن دمكِ… ليس لعنة.» التفتت نحوه بسرعة. — «إذن ما هو؟» ابتسم، لكن هذه المرة دون استفزاز. — «سلاح.» في المساء، جلست إيلاريا وحدها في المقصورة الصغيرة التي خُصصت لها. الضوء الخافت من المصباح الزيتي جعل الظلال تتحرك على الجدران كأشباح قديمة. أخرجت قطعة الأحجية من عباءتها. وضعتها على الطاولة… وفجأة، شعرت بوخز خفيف في راحة يدها. تراجعت، لكن القطعة بدأت تتوهج بخفوت، والرمز المنقوش عليها انفتح كزهرة حجرية. خطوط دقيقة تحركت، تشكل كلمات قديمة. همست، تقرأ ببطء: — «حين يُنكر الدم… يستيقظ.» ارتجفت. انفتح باب المقصورة فجأة. — «كنت أعلم.» قال كايرن وهو يقف عند العتبة. — «إنها تستجيب لكِ فقط.» أضاف وهو يقترب. — «لماذا؟» سألت بصوت مضطرب. — «لأن الملكة التي أنجبتكِ… لم تكن بشرية بالكامل.» شهقت. — «كذب.» — «الحقيقة.» تقدم خطوة. — «أُرسلتِ اليوم في مهمة باسم التاج…» — «لكن منذ ولادتكِ، وأنتِ المهمة.» سكت لحظة، ثم قال: — «والتاج سيطاردكِ الآن… ليس لاستعادة قطعة حجر.» — «بل لإخفاء ما أنتِ عليه.» شعرت إيلاريا بأنفاسها تضيق. كل ما قيل عنها، كل الهمسات، كل الخوف… لم يكن بسبب شكلها. كان بسبب حقيقتها. أعادت القطعة إلى يدها، قبضت عليها بقوة. — «إلى الجزيرة الرمادية.» ابتسم كايرن، تلك الابتسامة التي تشبه وعدًا خطيرًا. — «الآن؟» — «الآن.» خرج من المقصورة وهو يقول: — «غيّروا المسار.» بينما بدأت السفينة تنحرف، كانت الأميرة المنبوذة تدرك لأول مرة… أنها لم تُرسل لتخدم التاج. بل ليُدفن سرها معه.