المفاجأه
مرَّت أربع سنوات كاملة... تغير فيها كل شيء. لم يعد آرثر ذلك الفتى الحائر والمطارد بل بات رجلاً مهيباً، يقف بثباتٍ كولي عهدٍ لمملكة الشمال.
في إحدى الأمسيات، وبعد أن فرغ من إدارة شؤون المملكة المعقدة، جلس آرثر في حديقة القصر الشاسعة يستريح من عناء يومٍ طويل. كان الهدوء يلف المكان، لكن عقله لم يكن هادئاً أبداً؛ فكلما اختلى بنفسه، كانت صورة لينا تعرض على ذاكرته.لقد تباعدت المسافات بينهما في الآونة الأخيرة، وقلّت اتصالاتهما بشكل ملحوظ.
أعباء الحكم والمسؤوليات التي أُلقيت على كاهله جعلت وقته ملكاً للمملكة، بينما انشغلت لينا بدراستها الجامعية، حتى وصلت إلى عامها الأخير وأصبحت في الثانية والعشرين من عمرها.
كان آرثر يدرك في نفسه أنه لا يحمل لها مجرد مودة عابرة بل حباً عميقاً كبر معه يوماً بعد يوم. ورغم عمق مشاعره، كانت المخاوف تنهش قلبه: ماذا لو عارض جده هذا الحب لأنها بشرية؟ وماذا لو كانت لينا لا تبادله نفس المشاعر وتراه مجرد صديق قديم؟
قطع حبل أفكاره رنين هاتفه المحمول. انتفض قلبه بلهفة، وظن لوهلة أنها لينا، لكن خيبة أمل أصابته حين وجد اسم إيلا يضيء الشاشة. أجاب وحاول إخفاء نبرة صوته المترقبة، وتبادلا الأحاديث والاطمئنان على الأحوال، حتى قالت إيلا بنبرة جادة:
"آرثر، اليوم هو عيد ميلاد لينا... لكنها كالعادة ترفض الاحتفال به. هذا اليوم بالذات يفتح جروحها القديمة، ويذكرها بوالديها اللذين كانت تحتفل معهما حينما كانا على قيد الحياة.
نزلت الكلمات على قلب آرثر كالصاعقة. أحس بوخزة من الألم لأجلها، أنهى المكالمة بعد أن ودع إيلا وظل يحدق في الفراغ. لم يعد قادراً على الانتظار أكثر؛ لن يتركها وحيدة في هذا اليوم الحزين، ولن يدفن حبه بعد الآن. قرر أن يفعل المستحيل ليصنع لها مفاجأة تنسيها أحزانها، ويعترف لها بحقيقة مشاعره. وإن عارض جده الأمر، فسيقف في وجه العالم كله لأجلها.
تحرك آرثر بسرعة وإصرار. أمضى ساعتين كاملتين يجهز مكاناً ساحراً في مملكته يليق بها، ثم ذهب لأليكس، الذي لم يعد مجرد مدرب بل أصبح صديقه المقرب ومستودع أسراره.
أخبره آرثر بقراره، وبأنه سيتغيب عن تمرين اليوم لأنه ذاهب إلى عالم البشر.
أصغى أليكس إليه بهدوء، ثم قال بنبرة دافئة يملؤها الحرص:
"اذهب يا صديقي، ولكن كن حذراً للغاية في عالم البشر. لا تدع عاطفتك تنسيك الحذر "
ودع آرثر صديقه، ونشر جناحيه القويين، لينطلق بسرعة نحو عالم البشر. هبط عند قمة الجبل المهجور—ذلك المكان الذي يحمل ذكريات وداعهم القديم—وأرسل للينا رسالة قصيرة يخبرها بأنه ينتظرها هناك.
لم تتردد لينا؛ فرغم بعد المسافة عن جامعتها، استقلت وسيلة مواصلات وقطعت الطريق في ساعتين لتصل إليه. وحينما وطأت قدمها قمة الجبل ورأته واقفاً ينتظرها، تسمرت في مكانها لثوانٍ قبل أن تسرع نحوه.
لم يتمالك آرثر نفسه فبمجرد أن أصبحت أمامه، جذبها في عناق طويل وعميق، وكأنه يستمد منه سنوات الغياب. بادلته لينا العناق بدفء مماثل، وهمس في أذنها بصوتٍ مخنوق من شدة الشوق:
"لقد اشتقتُ إليكِ كثيراً يا لينا... أكثر مما تتخيلين."
ابتسمت لينا والدموع تلمع في عينيها وقالت برقة:
"وأنا أيضاً اشتقت إليك يا آرثر."
✨️ برج النور✨️
أخرج آرثر من جيبه قطعة قماش بيضاء ناعمة، وقال لها بابتسامة غامضة:
"أريدكِ أن تربطي هذه حول عينيكِ. لا تخافي، وثقي بي تماماً."أومأت لينا برأسها موافقةً، وربطت القماش حول عينيها لتغرق في ظلام مؤقت. أحاط آرثر خصرها بذراعه القوية ليؤمنها تماماً، ثم همس لها لتستعد. وبضربة واحدة من جناحيه انطلق بهما في السماء.
كانت لينا تشعر بالهواء البارد يداعب وجهها، وبنبضات قلب آرثر القوية التي كانت تمنحها شعوراً مطلقاً بالأمان رغم الارتفاع الشاهق. استمر الطيران لبعض الوقت، حتى شعرت بانها تهبط برفق على أرض صلبة.
توقف آرثر، ووقف خلفها مباشرة. وبحركة بطيئة ورقيقة، فكَّ العقدة وأزال قطعة القماش عن عينيها قائلاً:
"الآن... يمكنكِ النظر."
فتحت لينا عينيها ببطء، لتتسع حدقتاها بذهول ساحر. لم تكن في عالم البشر، بل كانت تقف في أعلى "برج النور" بمملكة الشمال. كان المنظر من هناك يحبس الأنفاس أضواء المملكة تتلألأ في الأسفل كجواهر منثورة، والسماء تبدو قريبة جداً، بينما تحيط بهما هالة من النور الساحر الذي ينبعث من البرج نفسه. التفتت إلى آرثر وعلامات الدهشة والذهول مرتسمة على وجهها، وكأنها في حلم لا ترغب في الاستيقاظ منه أبداً.