نيراثيل الاميره المنبوذه - القرصان الذي لا ينحني - بقلم بيسان محمد - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: نيراثيل الاميره المنبوذه
المؤلف / الكاتب: بيسان محمد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: القرصان الذي لا ينحني

القرصان الذي لا ينحني

كان الميناء ينبض بالحياة… لكنها حياة قاسية، تشبه البحر الذي يطعمها. روائح الملح والقطران امتزجت مع صراخ البحّارة، وصرير الحبال، وارتطام الأمواج بالأرصفة الخشبية. السفن تراصّت كأنها تتحدّى السماء، أشرعتها ممزقة، وأجسادها تحمل آثار معارك لا تُحصى. وفي قلب ذلك الضجيج، كانت هناك سفينة واحدة صامتة. سوداء. خشبها داكن كأنه شرب الليل، وعلى مقدمتها رمز محفور بعناية: موجة تبتلع شمسًا. نذير العاصفة. الرجال في الميناء كانوا يتجنبون النظر إليها مباشرة، ومن تجرأ وخفض صوته أكثر من اللازم، سكت فورًا حين شعر بوجوده. كايرن بلاكتايد لم يحتج أن يرفع صوته ليُهاب. كان واقفًا عند حافة الرصيف، ذراعاه متقاطعتان، معطفه الجلدي مفتوح قليلًا، يتمايل مع الريح. عيناه بلون البحر قبل العاصفة… باردتان، ثابتتان، كأنهما تقيسان العالم لا البشر. وعلى شفتيه… ابتسامة مستفزة. ابتسامة رجل يعرف أنه دائمًا يسبق الآخرين بخطوة. — «التاج أرسل فأره الصغير أخيرًا.» قالها دون أن يلتفت، وهو ينظر إلى الأفق. تقدّم أحد رجاله بحذر: — «سيدي؟» — «لدينا ضيفة.» في تلك اللحظة، توقفت خطوات عند نهاية الرصيف. إيلاريا. لم تكن ترتدي ثيابًا ملكية. عباءة بسيطة، لونها رمادي داكن، ووشاح يخفي شعرها الفضي. لكنها لم تستطع إخفاء حضورها. شيء في وقفتها… في سكونها… جعل الميناء كله يبدو وكأنه يراقب دون أن يدري لماذا. التفت كايرن ببطء. حين التقت عيناه بعينيها، توقفت ابتسامته للحظة قصيرة جدًا… لحظة لم يلاحظها أحد سواه. عينان فضيتان. ليستا خائفتين. ولا متوسلتين. — «أنتِ… لستِ ما توقعت.» قالها بنبرة هادئة، ثم عاد ذلك الانحناء الخفيف في شفتيه. تقدّمت إيلاريا خطوة. — «وأنت أكثر مما قيل لي.» ضحك أحد القراصنة، لكن ضحكته ماتت فورًا عندما رفع كايرن يده. — «اسمك؟» سأل. — «لا يهمك.» اقترب منها، حتى لم يعد بينهما سوى خطوة واحدة. كان أطول منها بقليل، وظلّه سقط عليها كأن البحر نفسه اقترب. — «كل شيء يهمني… حين يأتي باسم التاج.» تصلبت نظراتها. — «إذن تعلم سبب وجودي.» — «أعلم أكثر مما تعتقدين.» مد يده إلى جيب معطفه، وأخرج شيئًا صغيرًا ملفوفًا بقطعة قماش داكنة. فتحها ببطء، وكأنه يستمتع بكل ثانية. قطعة حجرية غير منتظمة، منقوشة برمز قديم… نفس الرمز الذي رآه الكهنة يوم وُلدت. شعرت إيلاريا بقلبها يخفق بقوة. — «هذه ليست مجرد ملكية ملكية.» قال كايرن. — «هذه مفتاح.» — «أعدها، وسأغادر.» ضحك، ضحكة منخفضة. — «لو كانت الأمور بهذه البساطة… لما جئتِ بنفسك.» اقترب أكثر، ثم وضع القطعة في كفها فجأة. كان الحجر دافئًا… كأنه حي. شهقت بصوت خافت. — «هذه قطعة واحدة فقط.» قال. — «لكنها ستقودكِ إلى شيء أكبر.» رفعت نظرها إليه، ارتباك وغضب وأسئلة لا تُحصى في عينيها. — «لماذا تعطيني إياها؟» نظر إليها طويلاً، تلك النظرة الباردة التي اشتهر بها، ثم قال بابتسامة مستفزة خالية من المرح: — «إذا كانت الحقيقة ستقتلهم… إذن دعيهم يموتون.» تجمد العالم حولهما. شعرت إيلاريا أن تلك الكلمات لم تُقال عبثًا… بل كأنها كُتبت من أجلها منذ زمن بعيد. — «ما الذي تعرفه؟» همست. استدار كايرن، متجهًا نحو سفينته. — «إن أردتِ الإجابة… فستصعدين إلى نذير العاصفة.» ترددت لحظة. ثم نظرت إلى القطعة في يدها. كانت تعرف… أنها إن صعدت، فلن تعود الأميرة التي خرجت من القصر. خطت خطوة واحدة للأمام. والبحر… ابتسم.