الأميرة المنبوذة
لم تكن إيلاريا تتذكر يومًا واحدًا شعرت فيه بأنها أميرة حقًا.
منذ أن فتحت عينيها على هذا العالم، كان الصمت هو أول ما تعلمته، ليس صمت الراحة، بل صمت الحذر. صمت من يعرف أن أي كلمة قد تتحول إلى ذنب، وأي نظرة قد تُفسَّر كتهديد.
كانت تسير في الممر الطويل المؤدي إلى الجناح الشرقي من القصر، حيث خُصص لها مكان بعيد عن قاعات الاحتفالات والعرش. أضواء المشاعل انعكست على الجدران الحجرية، لكنها لم تمنح دفئًا. لم تفعل يومًا.
شدّت الوشاح الداكن حول رأسها، تخفي شعرها الفضي الذي لطالما وصفوه بأنه لون الموت. ورغم ذلك، لم تستطع إخفاء بشرتها الداكنة، التي قالوا إنها لا تشبه دم الملوك، ولا تشبه شيئًا مألوفًا في هذه المملكة.
كانت الهمسات تسبقها.
— إنها قادمة…
— لا تنظروا إليها مباشرة.
— يقولون إن سوء الحظ يتبع خطاها.
لم تلتفت.
تعلمت منذ سنوات أن الالتفات يمنحهم انتصارًا صغيرًا.
توقفت عند نافذة عالية تطل على المدينة. من هنا، كانت ترى الأسطح المتلاصقة، والدخان المتصاعد من الميناء، والسفن الراسية كوحوش نائمة. هناك، في الأسفل، يعيش الناس الذين يخافونها… ويكرهونها.
وضعت كفها على الزجاج البارد.
همست لنفسها: — «لو عرفتم الحقيقة… هل كنتم ستخافون أكثر؟»
لكن الحقيقة لم تكن لها وحدها.
عادت تسير حين دوّى صوت خطوات خلفها. خادمة شابة توقفت على مسافة، انحنت دون أن ترفع عينيها.
— «الأميرة إيلاريا… المستشار الأكبر يطلب حضورك فورًا إلى قاعة العرش.»
لم يظهر على وجه إيلاريا أي تعبير.
الاستدعاء إلى قاعة العرش لا يعني خيرًا أبدًا… خصوصًا لها.
قاعة العرش كانت أوسع مما تحتمل الوحدة.
الأعمدة الرخامية ارتفعت كأنها تحاكم من يقف بينها، والسقف المزخرف يصور ملوكًا سابقين بوجوه مثالية… وجميعهم ببشرة فاتحة وشعر داكن. جميعهم ليسوا مثلها.
وقف المستشار الأكبر أمام العرش، ظهره مستقيم، عيناه باردتان كأنهما لا تريان بشرًا بل أدوات. لم يكن الملك حاضرًا. نادرًا ما كان يحضر حين يتعلق الأمر بابنته.
— «إيلاريا.»
لم يقل صاحبة السمو.
رفعت رأسها بثبات. — «استدعيتني؟»
تقدم خطوة واحدة، ثم قال: — «باسم التاج، لديكِ مهمة.»
تصلبت القاعة.
حتى الحراس تبادلوا نظرات سريعة.
— «مهمة؟» سألت بهدوء.
— «أُخذت قطعة أثرية من أملاك البلاط الملكي. قطعة قديمة، ذات قيمة لا تُقدّر.»
صمت قليلًا، ثم أضاف: — «وصلتنا معلومات بأنها في الميناء… بحوزة قرصان.»
عرفت الاسم قبل أن ينطق به.
الاسم الذي يتردد في الصلوات كتحذير.
— «كايرن بلاكتايد.»
قالها المستشار بصوت خالٍ من المشاعر.
كايرن.
الرجل الذي جعل مدينتها هدفًا لسفنه.
الرجل الذي لا يهاجم دون سبب… ولا ينسحب دون ثمن.
— «ستذهبين بنفسكِ لاستعادتها.»
رفعت حاجبها قليلًا. — «أنا؟»
ابتسم المستشار، ابتسامة ضيقة. — «أنتِ الأنسب. إن فشلتِ… فلن نخسر شيئًا.»
لم تقل شيئًا.
لم يكن هذا جديدًا.
— «اذهبي دون حرس. دون شعارات. ستُمنحين خطابًا مختومًا باسم التاج.»
تقدم أكثر، صوته انخفض: — «وإيلاريا… إن لم تعودي، فسيُقال إن اللعنة التهمتكِ أخيرًا.»
التقت عيناها بعينيه.
وفي تلك اللحظة، أدرك أنه خائف.
قالت بهدوءٍ قاتل: — «متى أتحرك؟»
في جناحها، نزعت الوشاح ونظرت إلى انعكاسها في المرآة.
عينان فضيتان لا تشبهان أحدًا.
بشرة داكنة قالوا إنها دليل الهلاك.
وضعت يدها على صدرها، حيث كانت تشعر دومًا بنبض غريب… كأنه يهمس بشيء لم تفهمه بعد.
— «الميناء…» همست.
لم تكن تعلم أن تلك الرحلة لن تستعيد قطعة مسروقة فقط،
بل ستفتح بابًا لحقيقة دُفنت منذ ولادتها.
حقيقة…
ستجعل العالم يراها كما هي فعلًا.