مصيبتي....
فتاة تركض بكل ما تملك من قوة. رئتاها تحترقان . قدماها تخونانها. لكنها لا تتوقف.
تركض ساعات وساعات.
لا بيوت. لا أشجار. لا بشر.
فقط الريح. فقط الغبار. فقط صوت قلبها الذي يكاد ينفجر.
وصلت أخيراً إلى مكان معزول، قاحلة أرضه، موحشة أركانه. جلست خلف شجرة، كبيرة،
لتلتقط أنفاسها
رفعر رأسها إلى السماء الغاضبة.
وهمست لقد وقعت في مصيبة
مرحبا،
«هتون... اسمي هتون. عمري واحد وعشرون عاماً»
أعيش على أطراف المدينة.....
• • •
كنت أعيش مع جدي. والداي ماتا وأنا صغيرة. في الثالثة عشرة من عمري. حادثة مفجعة. تحولت في ثوان من طفلة مدللة إلى يتيمة لا تملك أحداً إلا رجلاً عجوزاً.
جدي. الرجل الوحيد الذي لم يتركني.
كبرتُ في بيته. تعلّمت منه الصمت والحذر. أصبح هو وصيّي، وسندي، وكل ما أملك.
ثم مرض.
مرضَ طويلاً. عضالاً. لم يعد جسده يحتمل.
توقفت عن الدراسة مؤقتاً. لم يكن ثمّة خيار آخر. بحثت عن عمل. لأعيش. لأُساعد نفسي. لأداوي جدي الذي كان يداويني أنا.
بحثت طويلاً...
حتى وجدتُ عملاً مؤقتاً في مشغل للخياطة.
يديره رجل كبير في السن. سمين. ثقيل النظرات. يتجول معه دائماً رجال ضخام، كأنهم جدار بشري يتحرك.
كنت أعمل وأنا أتجنب النظر إلى وجوههم. كنت أخيط وأنا أدعو ألا يطول الأمر.
--
في ذلك اليوم، انتهى عملي كالعادة.
خرجت مسرعة. كنت خائفة على جدي. تركت كل شيء وذهبت لأزوره في المستشفى.
ولكنني لم أكمل طريقي طويلاً.
نسيت محفظتي.
نقودي كلها بداخلها. مصروفي الوحيد لهذا الشهر.
عدت أركض إلى المشغل.
وصلت. فوجئت بالأبواب المغلقة. لا حركة. لا أحد.
لكنني تذكرت الباب الخلفي.
اقتحمت السور. قفزت فوقه رغماً عن خوفي. هبطت في الفناء الخلفي أدخل عبر الباب الموارب.
كان المكان مظلماً. رائحة الخشب والغبار والدم المخفي.
لم أمش سوى خطوات...
فجأة: دوّى صوت أعرفه جيداً.
طلق ناري.
تجمدت في مكاني.
نظرت بخوف... رأيتهم.
صاحب المشغل. المعلم. يقف أمام جثة هامدة على الأرض، وحولها رزم من النقود متراصة. رجاله خلفه كالظلال.
وأمامهم... رجلان راكعان. يتوسلان. يبكيان. يصرخان: «لا... سامحنا... سامحنا يا معلم.»
ابتسم المعلم.
ثم أطلق الرصاص.
مرة. مرتين.
سقط الجسد الأول. ثم الثاني.
سكتت الأصوات. سكتت الرصاصات. لم يسكت إلا قلب يدق بعنف في صدري.
«مالذي يحدث هنا؟» همستُ لنفسي.
ارتجفت عظامي. كدت أصرخ.
لكنني كتمت صوتي بأطراف أصابعي. وعضضت على شفتي حتى ذاقت الدم.
تمنيتُ لو أنني لم آتِ إلى هنا أبداً. تمنيتُ لو أن محفظتي بقيت هناك... حيث لا رصاص ولا جثث.
استدرت لأهرب.
لكن خطوتي الأولى خانتني. صدر صوت تحت قدمي. زجاج مكسور. طقطقة خائنة.
صرخت دون إرادتي.
صرخة صغيرة. مكتومة. أشبه بأنين قطة مذعورة
خرج رجلان من الظلام يبحثان عن مصدر الصوت.
اختبأت خلف الجدار. أغلقت فمي بكلتا يدي. أغلقت عينيّ. تمنيت لو أختفي.
سمعت المعلم يصرخ: «تعالا... خذا تلك الجثث وأطعماها للكلاب الضالة.»
ضحك الرجال. ثم عادوا أدراجهم.
بعد أن اختفوا، صعدت فوق الجدار. قفزت إلى الخارج.
هربت.
لكن لحظة قفزي... نظرت إلى الخلف.
رآني المعلم.
عينا زجاجيتان. ثاقبتان. باردة مثل فم القبر.
صرخ بأعلى صوته:
«الحقوا بها! الحقوا بها! لا تتركوها تفلت
......