بل كانت هي الغنية بقلبها...
*🪽🟣قصة: بئر الرحمة*
في طرف قريةٍ نائيةٍ يحيط بها الحقول الواسعة من كل جانب، كان يعيش رجلٌ وحيدٌ يُدعى سالم.
لم يكن يملك بيتًا، بل كوخًا صغيرًا صنعه بيديه من بقايا الخشب والحديد الصدئ على حافة الترعة.
اعتزل الناس بعدما قست عليه الأيام، وأدار له الجميع ظهورهم. كان يأكل من نباتات البرية الصالحة للأكل، ويشرب من مياه المطر حين تهطل، أما رفيقه الوحيد فكان مصباحًا كهربائيًا يتغذّى من بطارية سيارة وجدها يومًا ملقاة في القمامة.
الناس يمرون بجانبه كأنهم لا يرونه، يلتفتون عنه كأنه عارٌ يجب تجاهله.
وحدها أم حنّا، سيدة طاعنة في السن، تجاوزت السبعين عامًا، كانت تطرق بابه بين الحين والآخر.
كانت تعيش في منزلٍ متهالكٍ مثلها، ولكنها تملك راتبًا بسيطًا من الحكومة يعينها على الحياة، وكانت تعتبر سالمًا ابنًا لها لم تلده.
كان سالم يبادلها المعروف، فيساعدها على تنظيف بيتها، ويقضي لها حاجاتها الصغيرة دون مقابل.
وذات مساءٍ ممطرٍ، جاءت فتاة صغيرة من الحيّ تلهث وهي تقول له:
“تعال يا عمّ سالم، الحاجة أم حنّا تحتضر... وتريد أن تراك قبل أن تموت.”
ترك كل شيءٍ وراءه وركض. دخل المنزل فوجدها ممددة على الفراش، والدموع تسيل من عينيها الضعيفتين، وبجانبها جارةٌ خرجت فور أن رأت سالم يدخل.
اقترب منها بخطواتٍ بطيئةٍ، فأمسكت بيده المرتجفة وقالت بصوتٍ متقطع:
“سأفتقدك يا بني... حزينةٌ لأن أحدًا لا يسأل عنك... كنتُ أراك كابني الذي لم أُنجب، وأخاف أن تموت ولا يشعر بك أحد.”
ثم سعلت قليلًا وأخرجت من تحت وسادتها ظرفًا بالٍ وقالت:
“كتبتُ لك هذا المنزل في عقدٍ رسمي، هو متهالكٌ نعم، لكنه أفضل من كوخك البائس... أرجوك لا ترفض. لكن هناك وصيةٌ صغيرة: احفر لي بئرًا في وسط الدار بعد وفاتي.”
أراد أن يرفض بشدة، فليس من شيمه الطمع في شيءٍ من أحد، لكنها ابتسمت له ابتسامةً مطمئنة وقالت:
“افعلها يا بني، سيفتح الله لك من هذا البئر خيرًا لا تتخيله...”
ثم أغمضت عينيها، وفاضت روحها بسلام.
كان يوم دفنها حزينًا صامتًا؛ لم يحضر الجنازة سوى سالم وعددٍ قليلٍ من الجيران الطيبين الذين تطوعوا لحمل النعش.
وبعد أن عاد سالم إلى المنزل، جلس طويلًا في صمتٍ أمام وصيتها يتساءل:
“لِمَ طلبت مني أن أحفر بئرًا في منزلٍ لا يحتاج إلى بئر؟ الماء متوفرٌ في كل مكان!”
لكن وفاءه لتلك العجوز التي كانت الوحيدة التي رأته إنسانًا جعله ينفذ وصيتها دون تردد.
بدأ الحفر بيديه العاريتين، والفأس التي يحتفظ بها منذ سنين. استمر حتى منتصف الليل، حتى ارتطمت فأسه فجأةً بشيءٍ صلبٍ تحت الأرض.
انحنى وأزال التراب، فإذا به يجد جرةً فخاريةً كبيرة مغلقة بقماشٍ قديمٍ مهترئ.
فتحها، فإذا بها تمتلئ ذهبًا وأحجارًا كريمة، ومعها ورقةٌ صفراء كُتب عليها بخطٍ متعب:
“هذا ميراثي لابنتي وأولادها... من يجد هذه الجرة فليعلم أني لم أحتجها، وآثرت أن أتركها لمن عرف الجوع والفقر حقًا.”
تجمد في مكانه. ثم فتح وصيتها التي تركتها له، فقرأ بخطها:
“يا ولدي، تركتُ لك هذا الميراث لتعويض ما عانيته من قسوة الحياة.
لم يكن لي ولد، وأنت كنتَ لي الابن الذي لم أنجبه.
لم أحفر البئر لأجد كنزًا، بل لأترك لك ما لم أحتجّه، وكي أختبر وفاءك.
فمن يفي بالعهد في الخفاء، يستحق أن يكرمه الله في العلن.”
بكى سالم طويلًا حتى اختلطت دموعه بتراب الأرض التي احتضنتها.
وبعدها تغيّرت حياته تمامًا.
صار من أغنى أغنياء القرية، لكنه لم ينسَ فقره القديم. بنى مسجدًا ومدرسةً باسم “أم حنّا”، وراح يوزّع الصدقات على الفقراء والمحتاجين دون تمييز.
وكان دائمًا يقول:
“لم أكن غنيًا بالذهب، بل كانت هي الغنية بقلبها... وأنا ورثتُ عنها الرحمة لا المال.”
صار مثالًا للخير في القرية، وتعلم الناس منه أن الغنى الحقيقي ليس في الجيب، بل في النفس.
العبرة:
قد تخفي وصية صغيرة بابًا واسعًا من الرزق، وقد يختبر الله إخلاصك بأمرٍ تراه بسيطًا، لكنه في الحقيقة ميزان صدقك.
قال الله تعالى:
﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾
(سورة الطلاق: 2-3)
_______