رائحة الموت....
انتهت الحفلة.
لم تكن حفلة أصلاً. كانت محاولة يائسة لتزيين جدار مهدم.
دخلت أمي إلى غرفتها دون أن تنتظر عودة أبي. لم تقل شيئاً. لم تلتفت إلينا. فقط... اختفت خلف الباب.
هديل بدأت بالتثاؤب و شعرت بالنعاس. طلبت منها أن تذهب و تنام. أطاعتنى دون نقاش كالعادة. كأن جسدها يعرف أن السهر معي يعني انتظاراً بلا نهاية.
بقيت وحدي في الصالة.
أنتظر. أرن. أتصل. لا رد.
اتصلت بصديق والدي. مرة. مرتين. في الثالثة رد.علي
"أبو إياد؟... سامحني على الإزعاج. في هذا الوقت لكني اريد ان اسألك عن والدي؟".....
جفاف صوته قطع الخط. قال: "وكيف لي أن أعرف؟ لم أتواصل معه منذ شهور. ابحث عنه في مكان آخر."
وأغلق الخط.
القلق بدأ يتسلل إلى عظامي، ليس فقط إلى صدري.
نظرت عبر النافذة. المطر يهطل الآن بغزارة، يغسل الطرقات كأنه يحاول محو شيء. الغيوم مكتظة بالسماء... لكنها لم تكن رمادية. كانت حمراء. حمراء قاتمة، كأن السماء تعطيني اشارة لوجود مصيبة
توجهت إلى غرفتي. ارتديت سترتي . ثم خرجت.
الشارع العام كان فارغاً تحت المطر. وقفت أنتظر أي وسيلة نقل. لا شيء. فقط صوت الماء يتساقط، ورغبتي في الصراخ التي كتمتها.
بدأت أمشي. بعد مدة من المسير
شاحنة خضار توقفت بجانبي فجأة. السائق نادى عليّ. كنت شارداً لدرجة أنني كدت أصطدم بها.
"إلى أين يا بني في هذا المطر؟"
"منطقة المشاريع الجديدة... أبحث عن والدي."
هز رأسه. "لن أصل هناك. سأوصلك لأقرب نقطة."
شكرته وصعدت.
بعد فترة، توقف في مكان مظلم ومعتم. قال: "عليك أن تكمل ماشياً من هنا. الطريق ليس بعيداً."
نزلت.
المطر يجلد وجهي. لا بيوت. لا بشر. لا سيارات. فقط ظلام وطريق موحل.
مشيت.
ساعة كاملة. أو أكثر. فقدت الإحساس بالوقت.
وصلت أخيراً.
منطقة البناء كانت خالية. تماماً. لا عمال. لا معدات . لا صوت. لا أبي.
المباني نصف المكتملة تراقبني كجماجم خرسانية. الهواء بارد لدرجة أنه يقطع الأنفاس.
وقفت في الوسط. صرخت باسمه: "أبي!"
لا جواب. إلا صدى صوتي الذي ضاع بين الجدران الفارغة.
غضبي امتزج بالعجز. بدأت أشتم بلدتي البعيدة. أشتم الطرقات المقطوعة. أشتم نفسي لأنني لم اكن اعرف عن ابي كثيرا وخرجت في هذا الجنون.
لكنه أبي... أين يذهب الرجل في ليلة كهذه؟
عدت أدراجي.
الطريق الطويل العائد كان أقسى من الذهاب. لأنني أصبحت أعرف: لا أحد هناك. ولا أحد ينتظرني.
---
وصلت المنزل منهكاً. ثيابي مبتلة بالكامل. أسناني تصطك من البرد.
دخلت الصالة.
وجدت هديل جالسة على الأرض، ظهرها مستند إلى الحائط. ما إن دخلت حتى انطلقت نحوي كأنها طفلة تنتظر
"أين كنت يا أيهم؟!" عيناها باكيتان، صوتها مبحوح. "لقد جننت! ساعات وأنا أنتظرك! اتصلت بك عشرات المرات… هاتفك خارج الخدمة… أقسم أني كدت أفقد عقلي!"
أمسكت بيديها المرتجفتين. حاولت أن أطمئنها رغم أنني كنت أحتاج من يطمئنني.
أختي"هديل… أنا بخير. أنظرط إلي. أنا بخير."
هدأ بكاؤها قليلاً. قلت بصوت مكسور: "ذهبت أبحث عن أبي…"
"وأين هو؟!" سألت بلهفة.
"لم أجده. المكان خالٍ. لا أحد يعرف أين هو."
ساد صمت ثقيل.
ثم قالت هديل بصوت بالكاد مسموع: "اذهب… بدل ملابسك… وإلا ستمرض."
نظرت إليها. هي التي كانت خائفة عليّ، وهي التي كانت تنتظر باكية... والآن تطمئنني.
أمي لم تخرج من غرفتها. لم تسأل عن أحد.
الطابق العلوي لا يزال مغلق
والأب… لا يزال غائباً.
المطر خارج النافذة لم يتوقف. والغيوم الحمراء لم تغادر السماء.......
............
أشرقت الشمس، وغابت الغيوم، ليبدأ يوم جديد.
لكن أبي لم يعد.
ذهبت مع هديل إلى مخفر الشرطة في اليوم التالي، وأبلغنا عن غيابه. مضت خمسة أيام، لم نكن نعرف شيئاً عن أصدقائه. لم نكن عائلة متآلفة قط.
في صباح اليوم الخامس، ذهبت إلى المخفر وحدي، وأنا أدعو في نفسي أن أجد أي خبر عنه.
دخلت. سألوني. انتظرت. ثم فوجئت بخبر لم أتوقعه أبداً.
قال الضابط: «منذ ساعات عُثر على ثلاث جثث. يجب أن تتعرف عليها.»
صعقت. تجمد الدم في عروقي.
«جثث؟! لا... ليس والدي بينهم.»
وضع الضابط يده على كتفي من خلفي، وقال بصوت جاف: «ألق نظرة سريعة، ولا تتسرع بخوفك.»
ركبت سيارة الشرطة، وقلبي يكاد يقفز من بين ضلوعي. شعرت أنني أسقط في هاوية بلا قاع. دعوت الله في سري كثيراً.
وصلنا إلى مركز الطب الشرعي. دخلنا ممرات طويلة باردة. ثم فتح الطبيب الغطاء عن الجثث.
لم أستطع أن أنظر. لم يكن مشهداً عادياً. صراخ مكتوم يخنق حلقي.
الضابط استعجلني: «انظر.»
فتحت عيني، وخطفت نظرة سريعة...
فإذا ثياب تشبه ثياب والدي، مغطاة بالوحل.
أعدت النظر.
إنه أبي.
هذا أبي.
صرخت بأعلى صوتي: «لا! لا! ليس والدي!»
انهارت قواي، وسقطت جاثياً على ركبتي. أمسكني شرطيان وأخرجاني من هناك.
جلست خارج المبنى صامتاً، وألم ينخر صدري. شعرت أن جبالاً على ظهري. سمعت أصواتاً خلفي، لكنني كنت في عالم آخر لا استوعب فيه شيئاً.
فجأة، صرخ في وجهي شرطي: «يا بني! عليك ان تكون اقوى و أن تساعدنا لنعرف من قتل أباك!»
ماذا... مجدداً.
قتل؟!
أبي مات مقتولاً؟
عدت إلى البيت بعد ساعات، أحمل خبراً ثقيلاً و قاتلاً لأمي وأختي.
عندما وصل وجدت أمي تبكي منهارة.
لم آرى اختي فسألت: «أين هديل؟»
قالت الجارة وداد: «عندما سمعت الخبر... انهارت وفقدت الوعي. إنها في المركز الطبي تحت المراقبة.»
نسيت أمي، وخرجت مسرعاً.
دخلت غرفة هديل، فإذا بها مستلقية تنظر إلى النافذة بصمت، ودموعها تنساب بغزارة.
جلست بجانبها، وضعت رأسي على السرير أمامها، ولم أنطق بكلمة.....