أجواء رمادية ماقبل العاصفة
مرحباً
أنا أيهم. أبلغ من العمر ثلاثة وعشرون عاماً، لا جامعة، ولا مهنة، ولا مستقبل واضح.
أسكن في قرية صغيرة نائية، لا ترى المدن إلا نادراً. بيوتها قليلة، متفرقة، أشبه بجزر معزولة في بحر من الريف. الهواء هنا نقي وبارد معظم الأيام، وهذا تقريباً كل ما يمكنني أن أمدحه في هذا المكان.
أما سكانها، ففضولهم يخنق. أعينهم لا تكل عن مراقبتك، وألسنتهم لا تتعب من تعليقك.
منزلنا بسيط مكون من ، طابقين. نحن الأربعة نعيش مكتظين في الطابق الأرضي. أمي، أبي، أختي و أنا. اما الطابق العلوي مغلق. لم يخبرني ابي او امي عن السبب فقط هكذا مغلق لماذا. لا أحد يسأل. صار جزءاً من صمتنا الجماعي.
أختي تكبرني بخمس سنوات. ثمانية وعشرون ربيعاً وهي لم تتزوج بعد. هذا ما يهمس به الجيران. لكنهم لا يعلمون أن أختي ليست مجرد فتاة عانس في بيت مضطرب. أختي... أسيرة. أسيرة لخلافات ممتدة بين أمي وأبي، أسيرة لخوف مزمن من التكرار،
أنها متعلقة بي كأنني الشاطئ الوحيد في بحر عاصف. ولا أستطيع أن أتركها. صحيح أن الجامعة بعيدة، لكن العذر الحقيقي ليس بعد المسافات. العذر الحقيقي هو أنني لا أملك الجرأة لأترك اختي وحيدة تبكي كلما ابتعدت عنها لأني الوحيد الذي افهمها وأشعر بها
وفي هذا اليوم...... جاء يوم عيد ميلاد أمي.
قررنا أنا وأختي أن نسرق لأمنا يوماً مختلفاً. لا صخب، لا تكلف، مجرد احتفال صغير يخترق جدران هذا البيت المسكون بالتوتر.
هاتفت أختي والدي. طلبت منه بصوتها الهادئ المعتاد أن يحضر قالب حلوى. صغيراً. فقط قالب حلوى يناسب المناسبة.
أنا نفخت بالونات. ملأت بها غرفة المعيشة، كأنها زهور ورقية تحاول تزيين جدران رمادية.
أختي جهزت أطباق العشاء. يدها لم ترتعش. ابتسامتها لم تخونها. كأنها تدربت على صناعة الفرح من لا شيء.
أما أمي؟ طلبنا من الجارة أن تأخذها لبيتها ساعات الظهيرة. حجة واهية. زيارة عابرة. فضول الجارة لم يمنعها – بل بالعكس، زادها حماسة لترى ما نخبئه.
جاء المساء.
عادت أمي تحمل ذراع الجارة "وداد". لم تأت وداد لتوصفها فقط. جاءت لترى بنفسها.
وقفنا جميعاً حول المائدة.
أمي تحدق في البالونات. في الأطباق. في وجهينا. لم تقل شيئاً. لكن عينيها كانتا تسألان: "لماذا؟"
انتظرنا أبي. ومعه الكعكة.
مرت ساعة.
وثانية.
مللنا الانتظار.
قالت أمي أخيراً، وصوتها شبه هامس: "هيا لنأكل. أبوكِ... كعادته. يفسد فرحتنا."
ثم ابتسمت.
ابتسامة تعرّت عن كل شيء إلا السعادة. كانت ممتلئة بغضب قديم وحزن لا ينام.
طبطبت وداد على كتف أمي. بحنان يائس قالت: "لا تحزني. الغائب... يمكن أن يكون له عذر."
عذر؟
نظرت إلى أختي. هي الأخرى نظرت إليّ. عيناها تخطبانني دون كلمات: اتصل به.
خرجت إلى شرفة المنزل. الهواء البارد عض وجهي. اتصلت مرة. مرتين. خمس مرات.
لا رد.
لا صوت. لا وعود. لا أعذار.
عدت إلى الغرفة وقلت: "لا يجيب. علّه صادفه أمر طارئ... سنأكل الآن."
تناولنا عشاءنا في صمت طويل. ثم أحضرنا الهدايا. أمي فتحتها بعيون زجاجية. لا فرحة. لا مبالاة. مجرد طقس نكرره كل عام بنفس الخيبة.
وفي صدر البيت... الطابق العلوي لا يزال مغلقاً.
والأب لم يعد