إيرينا - الفصل 1 - بقلم أية غانم | روايتك

اسم الرواية: إيرينا
المؤلف / الكاتب: أية غانم
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل 1

الفصل 1

في قلب الغابة، حيث كانت الأشجار العتيقة تمتد كأنها حراسٌ صامتون للأسرار القديمة، وقف شاب بملامح جذابة وعيون تجمع بين الأزرق والأخضر كأنهما جوهرتان نادرتان. كان شعره الأسود القاتم يتناثر فوق جبينه بعشوائية تزيده وسامة، بينما بشرته الحنطية أضفت عليه حضورًا لافتًا. كان يقف أمام فتاة ذات عيون زرقاء صافية كلون السماء في صباح ربيعي، وشعر أشقر طويل ينسدل على كتفيها بنعومة، وملامح بريئة لا تخطئها العين. لكنها الآن لم تكن تبدو بريئة بقدر ما كانت تبدو مذعورة. قال رين وهو يزفر بضيق: "كفى يا لورا، لا وجود للأشباح هنا." عقدت لورا ذراعيها ونظرت حولها بتوتر واضح. "بلى! جيسي أخبرتني بذلك، وحتى القصص التي سمعتها تؤكد الأمر. أنا خائفة، لا أريد أن نخيم هنا بعيدًا عن الجميع." تنهد رين، وكأنه يحاول للمرة الألف إقناع طفلة عنيدة. "لا أشباح هنا يا لورا. جيسي قالت ذلك فقط لتخيفك، وهي تعرف جيدًا أنك ستصدقينها. لا بأس، سنخيم هنا." توقف عن الحديث، ثم التفت نحو فتاة تجلس بهدوء تحت شجرة قريبة، وكأن العالم من حولها لا يعنيها. كانت إيرينا. بعينين حمراوين عميقتين بلون الدم، وشعر أبيض طويل ينساب فوق كتفيها كخيوط من ضوء القمر، وبشرة شاحبة قليلًا منحتها مظهرًا هادئًا وغامضًا في آنٍ واحد. كانت تقرأ كتابًا وكأنها في مكتبة هادئة لا في وسط غابة مخيفة. قال رين بصوت أعلى: "إيرينا، سنخيم هنا. لورا خائفة." رفعت إيرينا نظرها ببطء من فوق صفحات الكتاب، وكأنها عادت من عالم آخر، ثم أغلقت الكتاب برفق ونهضت. "حسنًا، لنبدأ بنصب الخيام إذًا." اعترض رين فورًا، بنبرة حاسمة: "ماذا تفضلتِ؟ أنتِ لن تبني شيئًا. سأفعلها أنا، وأنتِ اجلسي مع لورا وانتظراني." قالت إيرينا بهدوء: "لا بأس يا رين، سيكون الأمر مرهقًا عليك إن فعلته وحدك. دعني أساعدك." ابتسم رين بمكر وهو يلوح بيده رافضًا. "لكي ننتقل من التخييم إلى المستشفى؟ قلت اجلسي. سأفعلها أنا، لا تكوني عنيدة." هزت لورا رأسها موافقة وأضافت: "سأساعده أنا. أنتِ ارتاحي، صحتكِ ليست جيدة ولا يجب أن ترهقي نفسك." تنهد رين باستسلام مسرحي. "أي جزء من جملة: اجلسا وسأفعلها أنا، لا تفهمانه؟ لا يليق برجل نبيل أن يجعل آنسة تعمل. هيا، اجلسا وسأنهي الأمر بسرعة." أطلقت لورا ضحكة قصيرة. "نبيل؟ قلتَ لي أنت؟ أنت مجرد زير نساء." أجاب رين فورًا: "شكرًا." ضيقت لورا عينيها. "لم يكن هذا إطراءً." ضحكت إيرينا بخفة. كان شجارهما اليومي مشهدًا مألوفًا بالنسبة لها، بل ومحببًا. كانت ترى في خلافاتهما الصغيرة دفئًا لا يعترفان به. قالت بابتسامة هادئة: "حسنًا إذًا، سيد الجنتلمان، سنترك الأمر لك." ضحك رين على اللقب وهز رأسه. "أخيرًا، شخص يقدر عظمتي." جلست إيرينا بجوار لورا قرب الأغراض، بينما انشغل رين بحمل إحدى الخيام. لكن قبل أن يبتعد… ساد صمت غريب. اختفى صوت الطيور تمامًا. حتى الهواء بدا أثقل من المعتاد. تجمدت ابتسامة إيرينا وهي تشعر بانخفاض مفاجئ في درجة الحرارة. ثم… بدأ ضباب أسود كثيف يتسلل بينهم ببطء. شهقت لورا بقوة، ثم صرخت: "الأشباح!" صرخ رين بسرعة: "لا وجود للأشباح يا لورا! إنه مجرد ضباب!" أشارت لورا بيد مرتجفة. "لكنه… أسود! الضباب ليس أسود!" قال رين، رغم أن صوته نفسه بدأ يفقد ثقته: "اهدئي فقط… لنجلس وننتظر حتى يختفي." أمسكت إيرينا بيد لورا وربتت عليها برفق. "لا تخافي، إنه مجرد ضباب…" لكنها، في داخلها، لم تكن متأكدة من ذلك. كان هناك شيء خاطئ. شيء جعل قلبها ينبض بطريقة غريبة. بدأ الضباب ينقشع ببطء… ومع آخر خيطٍ منه— ساد الصمت. رفعت لورا رأسها أولًا. ثم رين. ثم إيرينا. واتسعت أعينهم جميعًا. لم يعودوا في الغابة. وجدوا أنفسهم فوق تلٍ مرتفع، تحت شجرة عملاقة لم يسبق لهم أن رأوا مثلها، وأغراضهم كلها حولهم كما هي… لكن المكان لم يكن مكانهم. في الأسفل، امتدت أراضٍ واسعة، وقرية بعيدة بدت كأنها خرجت من صفحات كتاب قديم. همست لورا بصوت مرتجف: "إن لم تكن أشباحًا… فهل يمكن لأحدكما أن يفسر لي ما الذي يحدث الآن؟" هذه المرة… لم يجد رين جوابًا.