حين تبتسم المرايا - ام المرايا - بقلم hanaa habib - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: حين تبتسم المرايا
المؤلف / الكاتب: hanaa habib
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: ام المرايا

ام المرايا

ما دفنت نوح. الموتى في قرية الرماد ما يندفنون. يصيرون وقود للفوانيس. شلت شمعته الزرقاء. روحه. كانت باردة، تزن في كفي زي قلب عصفور ميت. الخيط الأسود على معصمي صار بوصلة، يشّدني للغابة. كل شدة = غرزة من فم "ليلى" تنفك. الغابة الميتة ما فيها شجر. فيها أجساد. جذوع بشرية متفحمة، واقفة، مفتوحة العيون، وكلها تطالع نفس النقطة في العمق. كانوا الأقفال القدامى. كلهم بنات. كلهم بلا أسماء. مشيت يوم، أو سنة. القمر ما طلع. الشمس ما طلعت. بس روح نوح تنور لي خطوة قدامي. وصلت. وسط الغابة، ما كان فيه مراية. كان فيه بئر. حوافه من زجاج أسود، ومنه يطلع بخار بارد ريحة دم قديم. هذا هو. "أم المرايا". أول انعكاس انخلق يوم أول كذبة انقالت في العالم. وقفت على الحافة. شفت تحت. ما كان فيه قاع. كان فيه وجوه. ملايين الوجوه، كلها تصرخ، كلها بفم مخيط، كلها أنا. كل احتمال لي لو كنت نطقت اسمي. الخيط على معصمي انقطع. وسمعتها وراي. "ليلى". لفيت. فمها ما عاد مخيط. الخيط الأحمر تبخر. ابتسامتها وصلت لحدود وجهها المسلوخ. "تأخرتي يا... بلا اسم. أخوي مات على الفاضي." تقدمت. خطواتها تكسر الأرض. "تعرفين وش لازم تسوين عشان تتسكر أم المرايا؟ لازم قفل جديد. لازم اسم. ولازم دم." رفعت شمعة نوح. الزرقة ارتعشت. "ليلى" ضحكت: "روح أخوي ما تكفي. الباب هذا يبغى حي. يبغى تضحية تختارها بنفسها." سكتت. والغابة كلها سكتت. فهمت. أنا القفل الجديد. جلست على حافة البئر. الرأس دايخ، والقلب تعبان من الركض 13 سنة. غمضت عيوني. وسمعت صوت نوح من الشمعة: *"الاسم اللي ما انقال، هو السلاح الوحيد. لا تعطينهم إياه. موتي به."* فتحت عيوني. "ليلى" واقفة فوقي، تنتظر تسمع اسمي عشان تسرق جسمي وتهرب. ابتسمت لها. مو ابتسامة "حنان المرايا". ابتسامة وحدة خلاص تعبت، وقررت تحرق الكتاب كله. همست: *"أنا بلا اسم. وسأموت بلا اسم."* ورميت نفسي في البئر. ومعي شمعة نوح. النار الزرقاء لمست الظلام في القاع. الصوت اللي طلع ما كان صراخ. كان ملايين الأفواه تنفك خياطتها بنفس اللحظة. البئر صار شمس. شمس زرقاء، باردة، ما تدفئ... بس تعمي. "ليلى" صرخت. لأول مرة سمعتها تتألم. النور الأزرق مسح ملامحها المسلوخة، مسح الجوع، مسح الـ13 سنة. صارت غبار. صارت لا شيء. --- *النهاية: ما بعد الرماد* يقولون إن قرية الرماد اختفت. مكانها الآن بحيرة زجاجية، ساكنة، تعكس سماء رمادية بلا قمر. اللي يمرون جنبها بالليل، يقسمون إنهم يسمعون طق. طق. طق. طق. بس إذا قربوا، الصوت يختفي. وإذا ناظروا في البحيرة، ما يشوفون انعكاسهم. يشوفون بنت جالسة على حافة بئر، ماسكة شمعة زرقاء، وتبتسم. وتهمس: *"لا تسمون بناتكم. الأسماء عقود... والعقود غالية."* وبعضهم، الشجعان، يقسمون إنهم شافوا رجل عجوز يطلع من الضباب، يلم الزجاج المكسور، ويهمس: "أختي ارتاحت. أخيراً... ارتاحت." الباب تسكر. بس المرايا... المرايا لسه موجودة. في بيتك. في جوالك. في عيونك. *فلا تبتسمي لها كثير.* *ولا تردي... إذا دقت.* *طق. طق. طق