حين تبتسم المرايا - الخيط والابرة - بقلم hanaa habib - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: حين تبتسم المرايا
المؤلف / الكاتب: hanaa habib
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الخيط والابرة

الخيط والابرة

الاسم اللي همست به "ليلى" كان لا يزال يرن في عظامي. حرف واحد منه خلّى الضباب يركع، والكوخ ينزف من السقف قطران أسود. "ليلى" كانت واقفة قدامي، رافعة يدها المسلوخة تلمس خدي. "قولي الباقي"، توسلت بصوتي وأنا طفلة. "قولي اسمك وخلصينا كلنا." قبل لا أفتح فمي، الباب انفجر. دخل نوح. معطفه صار رماد، ونصه الدخاني ينزف ضوء أزرق. في يده إبرة عظم طويلة، والخيط اللي فيها... كان وريد من معصمه. أحمر، ينبض. صرخ فيني: "سدي اذانك! الاسم الأول إذا اكتمل، تملكك!" غرست أصابعي في اذاني لين حسيت الدم. بس الصوت دخل من عيوني، من مسامات جلدي. "ليلى" التفتت لنوح. ولأول مرة، شق فمها صرخ. صوت ألف بنت تنذبح بنفس اللحظة. "خاين!" بصقت سواد على الأرض. "خيطت فمي مرة، ولن تفعلها ثانية!" نوح تقدم والخيط من وريده يتسحب وراه زي ثعبان. "أغلطت مرة يوم هربت وتركتك القفل. ما أغلط مرتين." رمى الفانوس المكسور. ما انكسر. طار في الهواء ووقف بينهم، وصار قفص من ضوء أسود. "ليلى" هجمت. طارت زي دخان محروق. نوح مسكها من رقبتها المسلوخة. جلدها يحرق يده بس ما تركها. "امسكيها!" صرخ لي. "ثبتي راسها!" الخيط الأسود على معصمي صرخ. ربطني فيها غصب عني. حسيت بكل ألمها. ألف سنة من الخياطة، من الجوع، من الأسماء المسروقة. نوح قرب الإبرة العظم من شق فمها. "ليلى" عضت الهواء، كسرت سن من أسنانها المدببة. "إذا خيطتني، بتموت!" ضحكت والدم الأسود يطلع من اللثة. "الخيط من روحك يا نوح. غرزة... بعام من عمرك." نوح ما رمش. غرز الإبرة في طرف شق فمها. صرخ. شعره الأسود صار أبيض في ثانية. تجاعيد شقت نص وجهه البشري. غرزة ثانية. يده الدخانية بدأت تتلاشى. "اثبتيها!" كح دم أزرق. مسكتها. جلدها زي الثلج اللي يحرق. كانت تصرخ باسمي الحقيقي. كل حرف ينقص من عمر نوح سنة. غرزة ثالثة. رابعة. خامسة. نوح صار عجوز منحني، يلهث. نصه الدخاني اختفى تماماً. صار إنسان كامل... يحتضر. عند الغرزة السابعة والأخيرة، "ليلى" سكتت. الخيط الأحمر من معصم نوح انقطع. وعينه الرمادية الميتة صارت سوداء بالكامل. طاحت "ليلى" على الأرض. فمها مخيط بخيط من وريد أخوها. بس ما ماتت. عيونها المخيطة تنزف دم، وتطالعني. نوح طاح جنبي. جلده شفاف، وعروقه زرقاء. همس: "القفل رجع... بس مؤقت. الخيط من دمي، ودمي خلص. لما تفك الغرز... بتطلع جوعانة أكثر." مسك وجهي بيده الباردة: "اهربي من القرية. دوري على أول مراية انخلقت. اكسريها. هي أم البوابات. قبل لا تلحقك... هي." كح. ومع الكحة طلعت شمعة زرقاء من فمه. روحه. "ليلى" على الأرض بدأت تحرك أصابعها. الخيط على فمها يتمدد. وصوت الطق رجع. طق. طق. طق. بس هالمرة من تحتنا. من تحت القرية كلها. نوح ابتسم ابتسامة شايب عمره ألف سنة: "سامحيني يا... بلا اسم. كان لازم أحميك من البداية." وغمض عيونه. والفانوس الأزرق انطفأ للأبد.