التي بلا وجه
الخيط الأسود على معصمي كان ينبض.
كل ما اقترب مني شي "بارد"، يشتد ويحرق جلدي. ومن يوم طلع نوح، الكوخ صار ثلاجة.
مرت ساعة، أو سنة. الوقت مات بعد القمر الدموي.
وفجأة، سمعت صوت بكاء. خافت، مكسور، يجي من تحت أرضية الخشب.
"منو؟" همست. الخيط لسعني. بارد.
الألواح انشقت. يد طلعت. صغيرة، محروقة، أظافرها مقلوعة. وبعدها طلع راس.
بنت. يمكن بعمر 10 سنين. شعرها رماد، وعيونها مخيطة بخيط أسود خشن.
وجلد وجهها... ممحي. مسلوخ. مافي ملامح. مكان الفم شق ينزف سواد.
رفعت راسها لي. ورغم إن ما عندها عيون، حسيت إنها تشوفني.
قالت بصوت هو صوتي وأنا عمري 7 سنين:
"لقيتيني."
تجمدت. الخيط على معصمي صار جمر.
"أنتي... أخت نوح؟"
هزت راسها بالنفي. شق فمها توسع لابتسامة.
"أنا اللي قبلها. أنا الأولى. أنا اللي انسرق اسمي عشان ينختم الباب."
الكوخ اهتز. كل شظية مراية على الأرض بدأت تصيح باسم واحد: "ليلى... ليلى... ليلى".
اللي بلا وجه زحفت وطلعت كلها. كانت لابسة ثوبي. ثوبي اللي كنت لابسته ليلة "موت الشمس".
قالت: "نوح كذاب. ما ضحى عشاني. ضحى بي. أنا كنت القفل. لما شقوا صدري وخذوا اسمي، الباب تسكر. وهو هرب، وصار الحارس... عشان ينسى ذنبه."
رفعت يدها. وفي كفها كان فيه مراية صغيرة. بس مو تعكس. كانت توريني ذكريات مو لي:
شفت ولد صغير اسمه نوح، يبكي. وشفت بنت ممسوحة الملامح مربوطة لعمود، وشيوخ القرية يخيطون فمها عشان "ما تصرخ والاسم يطلع". وشفت الشمس وهي تنطفي لأنهم ذبحوا "الحنان" ودفنوه فيها.
المراية طاحت من يدها وتكسرت.
"حنان المرايا؟" ضحكت، والصوت كان سكاكين. "هذي ما هي أختي. ولا أنتي. هذي الجوع. هذي كل بنت انذبح اسمها عشان تعيش القرية. وتتغذى على اللي يخافون يخسرون أسماءهم."
قربت مني. الخيط الأسود قطع جلدي ونزل دم.
"بس أنتي مختلفة. أنتي رفضتي تعطين اسمك للقمر. ورفضك كسر ختمي. أنا حرة الآن."
مدت أصابعها المسلوخة لوجهي.
"تبغين تعرفين اسمك الحقيقي؟ الاسم اللي سرقوه منك قبل لا تنولدين؟ قولي لي... تبغين أرجعه لك؟"
الفانوس المطفي جنبي ولع لحاله. أزرق، ثم أحمر، ثم أسود.
وسمعت صوت نوح يصرخ من بعيد في الضباب: "لا تردين عليها! هي الباب! إذا عطتك اسمك، تاخذ جسمك!"
اللي بلا وجه حطت راسها على كتفي. باردة كالقبر. وهمست باسمي.
مو "حنان".
الاسم الحقيقي.
الاسم اللي هز الكوخ، وخلّى الضباب يركع، وخلّى المرايا تنزف.
وقبل لا أقدر أصرخ او اسكت