حين تبتسم المرايا - القمر الدموي - بقلم hanaa habib - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: حين تبتسم المرايا
المؤلف / الكاتب: hanaa habib
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: القمر الدموي

القمر الدموي

--- الليلة اكتمل. القمر فوق قرية الرماد ما كان أبيض. كان جرح مفتوح في السماء، ينزف ضوء أحمر على الضباب. الساعة 3:30. كل كلاب القرية سكتت دفعة واحدة. حتى الريح وقفت. الصمت كان ثقيل لدرجة إني أسمع نبض الفانوس الأزرق جنبي. نبضة... نبضتين... كأنه يعد مع عقارب الساعة. "ن" قال إن البوابات تكون أضعف تحت القمر الدموي. كذب. البوابات ما تضعف. هي تجوع. طق. طق. طق. بدري ثلاث دقائق. هالمرة الدق ما كان على الباب. كان من داخل المراية المكسورة اللي عطانياها. الزجاج يهتز، والشقوق تتمدد كأنها عروق. قربت وأنا مغطية فمي عشان ما أصرخ. ما أبغى أعطيها صوتي. في السواد حق المراية، شفتها. "حنان المرايا" كانت لابسة ثوبي، قاعدة على سريري، تمشط شعرها بأصابعي. رفعت راسها وابتسمت. الابتسامة وصلت لعيونها هالمرة. عيونها السوداء صارت فيها نقطة حمراء... انعكاس القمر. همست، والصوت طلع من كل قطعة زجاج في الكوخ: > "الليلة يكتمل العقد يا... بلا اسم. ضحكة وحدة، وآخذ مكانك. بكاء وحدة، وآخذ وجهك." فجأة انفتح باب الكوخ بقوة. الضباب الأحمر دخل كأنه كائن حي. وفي نص الضباب كان "ن"، فانوسه الأزرق صار أسود من الدخان. صرخ: "غطي عيونك! القمر يشوفك الحين!" تأخرت. رفعت راسي غصب عني للقمر من الشباك. ولجزء من الثانية، شفت القمر الدموي... كان عين. حدقة حمراء ضخمة، ورموشها سُحب، وتناظرني أنا بالذات. وبنفس اللحظة، كل سطح عاكس في القرية صرخ. سمعت قزاز يتكسر في كل البيوت. صراخ ناس ما كانوا يصرخون من 13 سنة. "حنان المرايا" طلعت من المراية حقتي لين خصرها. يدها الممدودة صارت حقيقية. باردة كالثلج، ومسكت معصمي. "ن" رمى فانوسه. الزجاج الأزرق انفجر وطلع ضوء أسود. الضوء ما نوّر، بل أكل اللون الأحمر من الجو. مسكني من كتفي وهزني: "اختاري! تعطينها اسمك وتطلع، أو تسمين نفسك وتنحبسين معها!" الضوء الأحمر حق القمر تركز عليّ زي كشاف. حسيت جلدي يحترق. حنان المرايا تصرخ فرح: "قولي اسمي! قولي حنان وأفكك!" "ن" قرب فمه من أذني، وصوته اخترق صراخها: "الاسم اللي ما انقال، هو القفل الوحيد. إن متي بلا اسم، البوابة تتسكر للأبد." يدها تسحبني لداخل المراية. نص جسمي صار بارد، زي الموتى. شفت الغرفة من داخل الزجاج. مقلوبة، والسقف تحت. ما كان عندي إلا حل واحد. عضيت لساني لين ذقت الدم. الصراخ مات في حلقي. وما قلت شي. لا اسمي، ولا اسمها، ولا حتى حرف. القمر فوق صاح. صوت كأنه ألف سكين تحتك ببعض. حنان المرايا صرخت، لأن العقد يحتاج صوت. يحتاج اعتراف. النور الأحمر ارتد عني كأني شبح. "ن" سحبني بقوة وطلعت من الزجاج زي طفل يتولد. طحت على الأرض أتنفس تراب. المراية انفجرت لملايين الشظايا. كل شظية فيها عين حمراء ترمش وتطفي. الهدوء رجع. القمر الدموي بدأ يبهت، يرجع رمادي ميت. "ن" كان راكع جنبي، معطفه محروق. همس وهو يلهث: "انتهى الطقس... بس بدأ الجوع الحقيقي. الحين كلهم عرفوا إن فيه وحدة قدرت تسكت. وكلهم بيجون لك." رفعت راسي. شظايا المراية على الأرض ما كانت تعكسني. كانت تعكس قرية كاملة... وكل السكان واقفين، راسهم مايل، ويبتسمون لي. طق. طق. طق. هالمرة الدق كان من ألف باب.