هناء...والبيت الي ما انكسر
مرت ثلاثة أسابيع. ياسين رجع من سطات. أبوه تعدى مرحلة الخطر، لكنه صار يحتاج رعاية. ياسين صار يقسم وقته بين الكلية والمستشفى، ووجهه فيه تعب جديد، لكنه تعب رجّال.
هناء كانت تنتظره كل يوم عند نفس الرصيف المكسور. ما تقول شي، تعطيه قهوة، يمشون، ويرجع كل واحد لحربه.
حتى جاء يوم الجمعة.
الباب دق في الغرفة 304. هاجر فتحت، وشهقت: "خالتي!"
أم هناء واقفة، لابسة جلبابها الزوين، وفي يدها صينية حرشة مغطية.
"بغيت نشوف بنتي، واش ولات كازاوية ولا باقي فيها ريحة الدوار؟"
هناء حضنتها وهي تضحك وتبكي. ريحة الزعتر والخبز البلدي ملأت الغرفة كلها.
الأم دارت عينها في الغرفة. سرير مرتب، كتب فوق الطاولة، ومنديل مطرز بحرف "ف" معلق بمسمار جنب الشباك.
"ديال من هاد المنديل؟" سألت وهي تشير له.
هاجر ابتسمت وخرجت: "نخليكم على راحتكم".
هناء بلعت ريقها. أربع سنين وهي ما كذبت على أمها.
"ديال... ياسين".
"وشكون ياسين؟"
وهنا حكت هناء كل شيء. من أول كتاب طاح، للطرد من المحاضرة، للرصيف، للبحر، لورقة "الوجود والعدم"، لليلة أبوه في الإنعاش.
الأم سمعت ساكتة. وجهها ما تقراه. شربت كاس أتاي، بعدين قالت: "عيطي ليه. بغيت نشوف الراجل اللي خلا بنتي توقف في المطر وما تمرض".
بعد ساعة، ياسين كان واقف باب الغرفة. لابس قميص مكوي لأول مرة، وفي يده حليب ولوز.
"السلام عليكم خالتي".
الأم قاسته من راسه لرجليه. "جلس أولدي".
سألته عن أهله، عن قرايته، عن نيته. ياسين جاوب بدون فلسفة، بكلام مباشر: "بغيت بنتك بالحلال يا خالتي. ما عندي لا فيلا لا طوموبيل. عندي قلب، وشهادة قريب ناخذها، ويَدّين يخدمو".
الأم هزت راسها. مشت للشباك، طلت على كازا. "هاد المدينة كسرت بنات قبل بنتي. وانتي يا هناء... جيتي مخلوعة، ودابا واقفة وتدافعي على راجل".
لفتت لياسين: "إذا طحتي، تطيح معك؟"
وقف ياسين: "إذا طحت، هي اللي غتوقفني. تعلمت منها".
سكتت الأم دقيقة كاملة. بعدين مدت يدها لصينية الحرشة: "كولو. ما نزوج بنتي لراجل على جوع".
*بعد سنتين...*
الصورة: قاعة صغيرة في أولاد حميدة. الزغاريد واصلة للسما.
هناء لابسة قفطان أبيض بسيط، وفي يدها منديل فاطمة. ياسين لابس جابدور، وعيونه ما تفارقها.
أم هناء تبكي وتزغرد في نفس الوقت. هاجر واقفة جنبها بالدموع، صارت معيدة في الكلية. حتى مي فاطنة الحارسة جات، وقالت: "شفتي يا هناء؟ قلت لك الرصيف المكسور يوصّل".
عقدو القران. من بعد الحفلة، مشاو تمشاو في دوارهم القديم. وقفوا عند الفرّان اللي كانت تشم ريحته كل صباح.
"تذكرتي؟" قال ياسين وهو يمسك يدها. "قلتِ لي الرصيف ينتظرك".
هناء ضحكت: "والرصيف وصلنا".
سكنوا في بيت صغير في كازا. هو صار أستاذ فلسفة في ثانوية، وهي كملت الماستر وولات كتكتب في جريدة.
على الحيط ديال الصالة، علقوا ثلاث حاجات: البطاقة الجامعية ديال هناء، منديل فاطمة، وورقة "الوجود والعدم".
وكل ما صعابت عليهم كازا، يوقفو في البالكون، يشوفو الرصيف المكسور تحت، ويتذكروا:
أن المدينة ما كتصاحبك حتى تختبرك.
وأن الحب ما كيعيش حتى تحارب عليه.
وأن بنت من أولاد حميدة، وولد من سطات، قدروا يبنوا بيت... ما انكسر.
*النهاية*