رصيف304 - هناء وياسين...اعتراف على رصيف - بقلم hanaa habib - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: رصيف304
المؤلف / الكاتب: hanaa habib
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: هناء وياسين...اعتراف على رصيف

هناء وياسين...اعتراف على رصيف

بعد طرد سُكينة، صارت الغرفة 304 أهدأ. هاجر وهناء تقاسموا الصمت والشاي والكتب. لكن هناء كان في بالها ضجيج ثاني: ياسين. صار ينتظرها بعد المحاضرات بدون موعد. مرة بكتاب، مرة بقهوة، مرة بجملة من رواية ما تفهمها إلا بعد يومين. اليوم كان مختلف. الجو غائم، وكازا لابسة رماديها المعتاد. خلصت هناء محاضرة "النقد الأدبي" وطلعت تلاقي الممر فاضي. لا ياسين، لا كتاب، لا قهوة. مشت للكافيتريا. كان جالس في الزاوية البعيدة، راسه بين يديه، وقدامه ورقة مطوية. جلست قباله بدون كلام. رفع راسه. عيونه حمر. "مالك؟" سألت. "أبوي"، قال بصوت مبحوح. "دخل الإنعاش اليوم الفجر. أنا لازم نرجع سطات الليلة... يمكن ما أرجع". هناء سكتت. ياسين القوي، ياسين اللي يشرح نيتشه وكأنه صاحبه، ياسين اللي علّمها تمشي على الرصيف المكسور... منكسر. مد يده بالورقة المطوية لها. "كنت كاتبها لك من أسبوع. قلت بعطيك هي في وقت مناسب. شكله ما في وقت مناسب في كازا". أخذتها. فتحتها. *_"إلى هناء، اللي علمت الرصيف كيف يصير طريق، والقهوة كيف تصير وطن، والغريب كيف يصير... أنا. أنا ما أعرف أقول أحبك زي المسلسلات. لكن أعرف أني من يوم شفتك تطيحي الكتب وتلمينها بعناد، وأنا كل كتبي تطيح. إذا رجعت، لقيتك. إذا ما رجعت... خلي الورقة تتذكرني."_* هناء قرأت، ويدها ترجف. رفعت عينها له. "غادي ترجع"، قالت بقوة. "كازا ما خذات مني أحد، وما راح تاخذك". ضحك ضحكة مكسورة: "كازا ما تستأذن يا هناء". "وأنا ما أستأذن منها"، ردت وهي توقف. "امشي معي". طلعوا من الكلية. المطر بدأ خفيف. ما راحو للمحطة. مشوا في الشوارع. هو ساكت، وهي تمسك الورقة كأنها عقد. وصلوا لكورنيش عين الذئاب. البحر هايج، والهوا يضرب بلا رحمة. وقفوا عند الرصيف الحجري. الموج يضرب ويتطاير عليهم. "خايف"، قال أخيراً. "خايف أرجع وما ألقى أبوي. وخايف أرجع هنا وما ألقاك". هناء لفت وجهه لها. المطر والبحر وملح الدموع كله واحد. "شوف"، قالت وهي تأشر على الرصيف المكسور تحتهم، المشقق من الملح والزمن. "هذا الرصيف مكسور من سنين. والموج يضربه كل يوم. بس لسه واقف. حنا زيه يا ياسين. ننكسر، بس ما نطيح". قربت، مسحت المطر من على جبينه. أول مرة تلمسه. "روح لأبوك. وارجع لي. أنا ما تعلمت الوقوف عشان أطيح أول ما تغيب". سكت. بعدين، بدون كلام، سحبها لصدره. حضن قوي، متعب، آمن. حضن شخص لقى وطنه في نص العاصفة. همست في أذنه: "الرصيف ينتظرك. وأنا أنتظرك". بعدها عنها، عيونه أهدأ. طلع من جيبه منديل فاطمة المطرز. المنديل اللي عطاها أول يوم. "خليه عندك. عشان تصدقين أني راجع". ركب تاكسي من قدامهم. قبل يسكر الباب، قال: "على فكرة... اسمك أحلى كلمة في الوجود والعدم". ومشى. بقيت هناء واقفة. المطر زاد، والبحر يصرخ. لكنها ما حست بالبرد. حطت المنديل على قلبها، والورقة في جيبها. المدينة ابتلعت ياسين مؤقتاً، لكن هناء لأول مرة ما حست بالهزيمة. حست بالحب. والحب في كازا... نوع ثاني من المقاومة. مشت راجعة للسكن. الرصيف مكسور، وقلبها كامل.